من أعظم الكفر ، والسلام على من أجاب المطلوب وجعل من أهل الجنة محسوب ، والامضاء الرهوب « 5 » من اللّه ابن سعود عبد اللّه « 6 » .
فابتدأنا نتشاور ورأينا من المستحسن أن يذهب الدريعي عنده لعدة أسباب :
أولا لأجل الكشف عن أخباره ورؤية بلاده والاستفهام عن أحواله ، ثانيا ربما نستطيع أن نبرم الصلح معه لأن الصلح معه يومئذ أحسن بكثير من عداوته ، لأننا أصبحنا أقوياء وصرنا حزبا كبيرا ، لذلك تأكد عندنا أنه يرضى بالصلح معنا مثل قرنين مع بعضهما ، ولكنه ما كان في أول الأمر يرضى بهذه الصفة لأننا كنا ضعفاء ، بل كان مراده أن نكون من جملة رعاياه بإعطاء الجزية « 7 » ، وتحت أمره في كل ما يريد ، فما كان بإمكاننا أن نفعل أدنى حركة من مطلوبنا ، ثالثا لكي نريح القبائل التي تبعتنا من شره ، إذ يوجد دائما قبائل متفرقة ، كما هي عادتهم بالبادية « 8 » ، فيقوم بعمل أذيات لها ، [ وبالصلح ] تكون آمنة على نفسها من طرفه ، وغير ذلك من أسباب سياستنا وهي عديدة . فاعتمد رأي الدريعي على الذهاب عند الوهابي فقال الشيخ إبراهيم : ما هي نيتك يا ولدي ، هل لك جراءة على التوجه مع الدريعي عند هذا الرافضي ورؤيته الغريبة ؟ فقلت : نعم أتوكل على اللّه وأذهب ، وإن هي إلا موتة في سبيل اللّه ، إذ من المعلوم عندي أنه يبغض جنس النصارى ، وإذا لم يفعل شيئا مع الدريعي فإنه يقتلني أنا ، أولا لأن قلبه ملآن مني بسبب ما بلغه عني ، وثانيا لأني نصراني عدو الدين . ولكن لا بد لي من الذهاب ولو فاحت من ذلك رائحة الموت ، فإني أحسب نفسي قد متّ وأن [ هذه السفرة ] من جملة الأخطار « 9 » المميتة التي جرت على رأسي . فقال الدريعي : لك بسعري ، لا يحدث لك شيء إلا بعد أن يقتلني أنا . فاعتمد رأينا على ذلك وشاع الخبر فأتى كبار القبائل وودعونا ، وجهزنا لوازمنا ، ودبرت أموري مع الشيخ إبراهيم وودعته وداعا كبيرا وطلبت منه الدعاء ، وأوصيته بوالدتي إن جرى علي شيء يكون نظره عليها . وقبل ركوبنا أمر الدريعي ابنه أن يرحل بالعربان ويذهب إلى حوران إلى أن نحضر عن طريق الحجاز .
هامش
( 5 ) « المرهوب » .
( 6 ) تسنّم عبد اللّه بن سعود العرش الوهابي ، بعد وفاة أبيه في أيار سنة 1814 . ولكن جرت العادة أن يشارك ولي العهد والده في الحكم ، لا سيما وأن الحروب كانت ترغم الملك على أن يكون على رأس جيوشه لمجابهة العدو ، فكان يسند أمور الدولة وإدارة العاصمة إلى ابنه عبد اللّه . ومن البديهي أن الرسالة الأصلية قد بقيت في حوذة الدريعي وأن الصايغ قد أعاد سبكها بأسلوبه العامي البدوي .
( 7 ) كذا ، ويريد الزكاة .
( 8 ) « الجول » .
( 9 ) « قطوعات » .