تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة فتح الله الصائغ الحلبي — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
أحضر معه مالا وافرا لنفقتنا « 4 » . فابتدأنا نتسوق من حماة بضائع تصلح للعرب لكي نشرّق معهم ونكمل مقاصدنا . فاشترينا جميع ما يلزم لنا من الحاجات ودبرنا كل شيء وأصبحنا مستعدين وإذ وصلني كتاب من عند والدتي « 5 » تخبرني فيه بوفاة أخي وليس لي غيره من الأقرباء ، ومضمون الكتاب أولا وفاة المرحوم أخي في مدينة بيروت حيث توفي غريبا بالطاعون ، وثانيا تشكي لي حالها من ألم حزنها على أخي واحتراق قلبها علي ، لأنها بغير خبر مني ولا تعلم إذا كنت مت أو لم أزل حيا ، وتشرح لي وحدتها ووحشتها إذ لم يبق لها أي ملجأ تستأنس به ، فليس لها من طرف أهلها ولا من طرف والدي أحد على قيد الحياة « 6 » ، فلم يبق من عائلتها أحد حي سواها ، كما لم يبق من عائلة أبي غيري . فمن شدة حزنها ووفاة أخي وفقدي اعتراها مرض سرساب « 7 » ، كمثل الجنون ، وبقيت ساهية « 8 » بالبلد . ففكر أيها 1 / 84 القارئ في أي حال أصبحت حين قرأت هذا المكتوب / وأي حزن وغم أحاقا بقلبي ، فأخذت بالبكاء والنحيب بسبب هاتين المصيبتين ، فتارة أفكر بفقد أخي الوحيد ، وتارة أفكر بأحوال والدتي الحنونة . فأقمت ثلاثة أيام بالعويل « 9 » والبكاء ليلا نهارا من غير أن يدخل الزاد إلى فمي كليا ، فترجيت الشيخ إبراهيم أن يسمح لي بكتابة مكتوب إلى والدتي كي أبرد قلبها نوعا ما فما سمح ، إذ خاف أن تحضر إلى حماة قبل سفرنا وتعطل أشغالنا . وأخيرا من بعد رجاء عظيم سمح لي أن أكتب لها مكتوبا في اليوم الذي سنذهب عند العرب لنشرق معهم ، إذ نكون عندئذ قد غادرنا حماة وذلك لكي لا تحضر عندنا ، فاعتمد رأينا على ذلك . فبعد جميع هذه الأمور ورد إلينا من عند الدريعي أربعة رجال « 10 » خيالة واثنان معهما جمال كي تحمل العفش « 11 » ، وفرسان فريغان « 12 » ، الواحد للشيخ إبراهيم والآخر لي ، إذ
هامش
( 4 ) « خرجية » . ( 5 ) لا يعلمنا الصائغ كيف وصل هذا الكتاب ، مع أن والدته لم تستلم منه أي خبر ، بل أنها تجهل إذا كان ابنها حيا أو ميتا ، كما يقول بعد أسطر قليلة . ( 6 ) « طيب » . ( 7 ) نوع من السهو والتردد والتحير في الأفكار والأعمال . ( 8 ) « سابحة » . ( 9 ) « بالجعير » . ( 10 ) « أزلام » . ( 11 ) اللبش . ( 12 ) « فرغ » ، فرس فريغ : واسع المشي ، سريع ( لسان العرب ) .