تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة فتح الله الصائغ الحلبي — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
ودخل على الشيخ أبو إبراهيم وترجاه . فركب الشيخ المذكور ومهنا وأربعة مشايخ قبائل من الذين مع مهنا ، وبصحبتهم نحو مئة خيال لا غير وحضروا عندنا ، وكنا نازلين على عاصي حماة . فأبقاهم جالسين في محل بعيد عنا نحو نصف ساعة ، وحضر وحده ليعلم مرادنا ، خوفا من أن لا يكون لنا رغبة في الصلح ، والحال أن الصلح كان جل مرادنا . فحضر المذكور فترحبنا به وأظهرنا له « 3 » غاية الإكرام اللائق ، فابتدأ يتكلم بخصوص الصلح فصار الدريعي يعتذر ويمتنع فترجيناه نحن أيضا وقام ابنه سحن وقبّل يده وترجاه ، فأعطى كلاما بالصلح بشرط أن يضعوا أسماءهم وختومهم في ورقة الشروط . فأخذ الشيخ عساف على نفسه ضمان ذلك ، وركب للإتيان بهم فحضروا جميعهم ، فركضنا لملاقتهم وأنزلناهم بكل إكرام وإعزاز . فأمر الدريعي بالقهوة فقال مهنا : يا ابن شعلان لا نشرب قهوتك قبل أن نتصالح ونتصافح ونطمر الحصى « 4 » . وحالا قام مهنا والدريعي واشهرا سيفيهما وكل واحد قبّل سيف الآخر . ثم أنهما تصافحا مع بعضهما وصار كل من الحاضرين يقبل الآخر . وابتدأت النساء تهاهي وتزلغط . ثم أخذ مهنا سبع حصيات من الأرض وحفر مقدار نصف ذراع في الأرض ، وأمسك الحصيات بيده وقال : يا دريعي هذا حقك وحقي طمرناه إلى الأبد . ودفن الحصيات في الحفرة وردّ التراب عليها ، وداسها برجليه وتفل هو والدريعي عليها بعد الطمر ثم جلسا . وأمروا بالقهوة وما عدت تسمع كلمة واحدة مما يخص ذلك . فتعجبنا أنا والشيخ إبراهيم من ذلك لأننا ما كنا رأينا بعد هذه النكتة ولا سمعنا بها . فسألنا عن ذلك فأخبرونا أن ذلك من عاداتهم ، ومعنى السبع حصيات هي السبع فتن التي صارت ضد الإمام علي بالكوفة بعد محمد . وعلامة الطمر أن الشيء مات ولا عاد يذكر ، والتفل فوقه 2 / 79 يعني / على « 5 » الشيطان خزاه اللّه ، لأنه هو محرك الشر بالعالم فهذا من جملة عاداتهم وتقاليدهم « 6 » .
هامش
( 3 ) « وسقنا معه » . ( 4 ) « الحصوات » . ( 5 ) يبتدئ هنا الكرّاس رقم 10 . أما التفل فمعناه البصاق . ( 6 ) « ذياتهم » ( ؟ ) ولعله يريد أزيائهم . إن عادة دفن الحصى طاعنة بالقدم وقد ذكرها شهاب الدين العمري وابن ناظر الجيش والقلقشندي ، ونظن أنها زالت اليوم أو آخذة بالزوال . ( انظر مقالنا : رحلة فتح اللّه الصائغ إلى البادية ، مجلة العرب ص 796 ، ج 11 ، 13 ، سنة 1406 ه كانون الثاني ، شباط 1986 ، رياض ) .