تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة فتح الله الصائغ الحلبي — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
علم بذلك وخذوا حذركم منه . فقال الدريعي : اللّه أكبر منه . ولم نزل نجد بالسير من مرحلة إلى أخرى . وعلمنا أن السّلقا « 6 » ، وهي قبيلة عظيمة نازلة في منزلة يقال لها حزملما « 7 » . فقال الدريعي : هذه قبيلة عظيمة ورجالها مشهورون بالمواقع « 8 » . وأميرهم رجل طيب ، فيجب أن نجلبهم إلى طرفنا قبل وصولهم إلى الديرة الشامية . والأمير اسمه جاسم ابن حريميس وهو صديقي جدا . فقلت نكتب له مكتوبا ، قال الدريعي : هذا لا يناسب لأنه لا يقرأ ، فيجب أن يقرأ له أحد المكتوب ، وتصبح المادة مسموعة ، ونحن نريد أن تكون سرية . فرأى الشيخ إبراهيم أنه من المستحسن أن أتوجه أنا عنده وتم الرأي على ذلك . وثاني يوم أرسل الدريعي معي ستة أنفار ليدلوا « 9 » [ على الطريق ] ، وأنا ركبت ذلولي وكنا سبع أنفس . وكان بيننا وبين حزملما مرحلتان ، وسرنا طالبين قبيلة السلقا . فبعد يومين وصلنا إلى المحل [ المقصود ] ، فما وجدنا أحد لأنهم كانوا رحلوا ولكن لا يعلم أحد إلى أي جانب توجهوا . فصرنا ندور بالبرية 1 / 71 إلى المساء ، فبتنا بالخلا في البادية « 10 » ؛ من غير أكل ولا شرب لأننا لم نأخذ معنا / غير زاد يوم فقط ، إذ كنا متأملين بالعرب . فأقمنا ثالث يوم ندور أيضا إلى المساء ، ولكننا كنا نمشي بجد فما وجدنا أحدا ، ولم نلتق بغير عربان . فاشتد بنا العطش وخصوصا بي أنا ، فتلاشت حواسي ويبس فمي واحترق جسدي من شدة الظمأ ، حتى كدت أغيب عن الوجود ، إذ مضى علي ثلاثة أيام من غير ماء . فصاروا يضعون في فمي حصوات صغيرة وتارة رصاصات ، وكل ذلك بدون فائدة ، ولم يزل يزداد عطشي . فاسود وجهي ، ويبس لساني وصار مثل الفحم الأسود ، وجمدت عيوني ، ورميت نفسي على الأرض كالميت ، وغاب عقلي وعدمت حواسي بالكلية . ومنذ يومين كنا نبحث عن الماء فقط ولا نسأل عن العرب . وكنا دائما نبعد كأننا مسحورون ، فلا نستطيع أن نجد عربا أو ماء لنشرب . فبعد ذلك رفعوني عن الأرض وأنا غير واع ، ووضعوني على ظهر ذلولي ومشوا قاصدين منزلة يقال لها جب الغنم بها ماء . وما زالوا سائرين إلى بعد الظهر ، وكان ذلك خامس نهار من غير ماء .
هامش
( 6 ) « السلقة » ، من العنزة . ( 7 ) « حذملما » ، إنما من عادة الصائغ أن يكتب ذالا بدلا من الزاي . ( 8 ) « بالمراجل » . ( 9 ) « دلالة » . ( 10 ) « الجول » .