تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة فتح الله الصائغ الحلبي — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
فأقبلنا على الجب فصار رفقائي يتسابقون إليه ، فرميت نفسي من على ظهر الجمل على الأرض وابتدأت أبكي ، إذ تصور بعقلي من شدة احتراقي وعطشي أنهم سيشربون كل الجب ولا يبقون لي شيئا ، فعادوا وصاروا يضحكون من عقلي وقالوا : أنت عدمت عقلك فهذا الجب يكفي جيوش عنزة « 11 » وطروشها ولا يخلص ، ونحن ستة أنفار نريد أن نشرب الجب بكامله . ثم وصلنا وحين صرنا على فم الجب ركض واحد من العرب اسمه غلفص ، واشهر سيفه وجلس على فم الجب وقال : كل من قرب منكم قطعت رأسه ورميته بالجب ، اقعدوا وأنا أسقيكم بمعرفتي . فأخذني أولا ووضع رأسي عند فم الجب وقال : شم رائحة الماء فقط شما . فابتدأت اترجاه وأسأله بإلحاح « 12 » أن يسقيني . فبعد حصة أخرج قليلا من الماء قدر نصف وقية ، وصار يأتي بالواحد بعد الآخر ويدهن شفاهنا ولساننا دهنا بالماء فقط . ثم بعد حصة أخرى أخرج كمية أكبر من الماء ، وصار يعطي لكل واحد نحو نصف فنجان قهوة 2 / 73 ماء ، وبعد حصة قدر فنجان وبعد قليل قدر فنجانين / « 13 » . ولم يزل يدرجنا رويدا رويدا مقدار أربع ساعات حتى شبعنا ماء . وأخيرا قام من على الجب وقال : اشربوا قدر ما تريدون . وقال : لو لم أفعل ذلك معكم لكنتم متّم جميعكم إلى جانب الجب . وبالحقيقة كم من السواح وغيرهم الذين بلغنا عنهم أنهم ماتوا من شرب الماء بعد عطش . فبتنا تلك الليلة إلى جانب الجب من غير أكل ، فقط على الماء ، وكنا نشرب كل ربع ساعة وما كنا نروى . فأصبحنا ثاني يوم وكان أمامنا تل عال فصعدنا عليه عسانا نرى عربا نذهب عندهم فما رأينا شيئا إلا أن أحد رفقائنا رأى عربا نازلة بعيدا جدا ، فصار يرينا مكان نزولهم ويعلّم لنا ، ولكن ما كنا نستطيع أن نرى النزل ، حتى أكد لنا أن بينهم بيتا كبيرا على ستة عواميد وأمامه شيء أحمر . فاعتمدنا على كلامه إذ شهد رفقاؤه أنه حاد البصر بعيد النظر جدا ، فتوكلنا على اللّه ومشينا بسرعة . فبعد ثماني ساعات وصلنا عند العرب ووجدنا أن كلامه صحيح : بيت كبير على ستة عواميد ، وأمامه هودج امرأة الأمير وهو ملبس بالجوخ الأحمر . وكانوا هم عرب السّلقا الذين كنا نبحث عنهم ، وذلك البيت هو بيت جاسم ابن حريميس . فدخلنا وسلمنا عليه ، وأعطيناه المكتوب الذي معي وهو بخطي وقد كتبته ليكون وسيلة للوصول إليه . فأخذ
هامش
( 11 ) « عنازة » . ( 12 ) « اتدخل عليه » . ( 13 ) ورقة 2 / 71 بياض - وقد أعاد الصائغ ترتيب الصفحات فجاءت ورقة 2 / 73 بعد 1 / 71 ، وأخّر بعض المقاطع وقدّم غيرها ، ونحن أعدنا سبكها على حسب تعليمات المؤلف .