نهاية العظم ، منقوشة بأحسن النّقش ، مرصوفة بأعجب الرّصف ، متماثلة المقدار علويّها وسفليّها ، ولا ملاط « 1 » بين الصّخور من طين ولا غيره ، ومن العجب ترتيب تلك الصّخور [ 44 / ب ] ورصفها في الأساس فضلا عن رفعها إلى السّقف ورصفها هناك مع إفراط عظمها ، وفي مقعد القبّة صخرة مستديرة منقوشة ، يحار النّاظر في حسن وضعها ، وعلى القبّة قبّة أخرى عالية ، ومبان مرتفعة ، ورأيت للقبّة السّفلى بابا مسدودا ، وعليه من خارجه صورة أسدين قد اكتنفاه مصوّرين من تلك الصّخور بأبدع صنعة ، وأغربها ، وهما متقابلان على الباب ، وفي كلّ واحد منهما صورة لجام قد أمسك بعنانه شخص واقف وراءه ، وقد منعه به أشدّ المنع ، ولعلّ ذلك كان لمعنى تعطّل وجهل سرّه ، واللّه أعلم .
[ قصر الجمّ ]
والّذي في بلاد إفريقية من عجائب البناء ، وآثار الاعتناء أمر يضيق عنه الوصف ، منها قصر الجمّ « 2 » ، وسيأتي ذكره إن شاء اللّه ، ومنها قصر يعرف بالمنارة غربي القيروان ، على مرحلة منه ، مبنيّ من صخور منحوتة ، موضوع على الاستدارة « 3 » كأنّه مخروط من عود ، وهو من فرط إتقانه كأنّه حجر واحد ، وفي أعلاه طوق ناتىء من تلك الصّخور على هيئة طنف « 4 » قد نحت ورقّقت أطرافه حتّى تجردّت « 5 » ، وعرّض من الأصل فأتت لذلك جميلة المنظر .
هامش
( 1 ) - الملاط : الطين الذي يجعل بين ساقي البناء ، ويملط بين الحائط .
( 2 ) - قصر الجم : هو أعظم قصور إفريقية وأشهرها ، شكله مستدير ، وارتفاعه في الهواء مائة ذراع ، وذكر البكري أن تكسير دائرته في الأرض ميل . ويقال : إن الكاهنة حصرها عدوّها في هذا الحصن فحفرت منه سربا نفذت به إلى سلقطة . انظر : رحلة التجاني : 57 ، الحلل السندسية 1 / 306 .
( 3 ) - ليست في ت .
( 4 ) - الطّنف : هو ما أشرف خارجا من البناء .
( 5 ) - في ط : حدّدت .