تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة الشام — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
وكنت استحى أن يسمع أحد ما كنت أخرجه من الأصوات المنكرة التي تشبه الحشرجة فكنت أضع على ( الفرس ) ما يكتم أنفاس الأوتار ويحيلها خافتة - أخفقت والسلام ولا داعى لنشر هذه الذكرى المطوية التي لا يعلم من أمرها شيئا سوى القدامى من إخوان ذلك الزمان وكان الذي أغرانى بالموسيقى إني شكوت إلى طبيب حاذق ما أتوهمه من اصطلاح العلل والأمراض على فأراد أن يصرفنى قليلا عن القراءة ويشغلني عن هذه الأوهام فأشار على أن أدرس الموسيقى .

- عودة لحكاية عن فخرى البارودي :

ولم أسمع في حلب شيئا من الموسيقى على شدة حب أهلها لها وكثرة المعازف فيها ، ولكني التقيت بحلبى عند الصديق فخرى البارودي ، بعد ارتدادى عن فلسطين وهو ضخم جدا وعرضه كطوله ( تقريبا ) وثيابه أكسية عجيبة من نسج القفاطين ، اتخذ منها سراويل ودراعة وفوق هاتيك معطف من صوف يصل إلى القدمين ، وعلى رأسه عمامة أو ما يشبهها ولم أشك حين رأيته في أنه أهل العلم بالموسيقى والتبحر فيها فما يختلف إلى فخرى إلا الراسخون في هذا العلم ، وتربع فخرى على عرشه ونقر نقرتين ثم أمر بتوشيح قديم لا أعرفه ولم اسمع به ، ففض الرجل معطفه وبدا في ثيابه المخططة الزاهية وأنشأ يغنى بصوت لا حلو ولا مطرب ولكن الإيقاع فيه جيد ، وكان يضرب بجمع إحدى يديه في كف الأخرى ليضبط التوقيت أو ( الوحدة ) كما يسمونها ثم حمس وأخذته فانتفض واقفا وجعل يرقص رقصا توقيعيا على نغمات الصوت الذي يغنيه فكدنا من فرط الطرب ننهض مثله ونفعل كما يفعل .
رحلة الشام — صفحة 144 | إبراهيم عبد القادر المازني