تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرحلة إلى مصر والسودان والحبشة — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
حتى يصلوا إلى ضريح أحمد البدوي يذهبون أفواجا أفواجا . وتكون الطرق مزدحمة جدا حتى أن بعض النساء والصبايا يقعون تحت الأقدام ويموتون وأظن أن هذا الزحام لا يوجد بنفس الدرجة في زيارة مكة والمدينة وأثناء الطواف . ويستمر هذا الزحام لمدة عشرة أيام بلياليها عند زيارة البدوي ويكون جمعا عظيما كيوم الحشر فتتلاصق الأكتاف فيه وتصبح مدينة طنطا عبارة عن حلقة ذكر ما بين كلمة هو والحي القيوم وذكر اللّه ويصل صدى ذكر اللّه إلى عنان السماء . ويقوم الأثرياء من الأعيان الكبار بفرش خيامهم بالسجاد والأبريشم والقطيفة والأطلس والقماش الهندي ويفرشون أيضا الأرائك والمقاعد المزينة ؛ كما يزينون تلك الخيام بالبساط والأسلحة والأواني القيمة . ويضعون الأعلام والرايات أمام الخيام . ويشعلون آلاف القناديل والمصابيح ويتسامر أهل تلك الخيام ليلا ونهارا ، ويدعون للسلطان بدوام دولته . يزين كل المشايخ أيضا خيامهم بمئات الآلاف من القناديل والأعلام والرايات ويقيمون فيها مشتغلين بالعبادة والذكر . والحاصل أن كل مرغوب موجود في مولد البدوي . أما العارفون باللّه فيفضلون الانزواء عن هذه الكثرة يأنسون بالوحدة بعيدا عن أي عالم آخر حيث ينظرون إلى الدنيا بعين الإمعان ويجلون قلوبهم ويتطلعون إلى المتعة الدائمة فالدنيا فانية :
ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ
[ النحل : 96 ] ففي نفس الوقت الذي يكون فيه أهل الظاهر نائمون في غفلتهم يكون أهل الباطن من العارفين باللّه مشتغلون بالتوحيد والتمجيد والذكر في منتصف الليل ويتلى المولد الشريف في آلاف الأماكن ويقوم الذاكرون الشاكرون ذوى الصوت العذب بمدح الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فيملأ صدى أصواتهم المكان ، فيثمل الرجال من شدة الشوق . ولأن آلاف القناديل والمشاعل تضاء في تلك الصحارى تجعل الليل هناك نهارا وتكون بمثابة العلامة في الصحراء . وينشغل كل شخص بشئ في تلك الليالي : ( نظم )
عندما يتجلى الخلاق إلى عالم الأزل * يتسلى كل شخص بحاله
فتطلق آلاف الطلقات النارية في السماء على أشكال وصور كثيرة فتجعل ليل مدينة
الرحلة إلى مصر والسودان والحبشة — صفحة 190 | اولياء چلبي