تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرحلة إلى مصر والسودان والحبشة — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦

الفصل الثامن والثلاثون بيان جميع الخلجان التي يسقى منها كل ذي روح في القاهرة وجميع الناس فيها

[ الخليج الأول ]

في شهر يوليو من كل عام تغيض المياه في كل أنحاء الدنيا ، أما في مصر في اليوم ( ) « 1 » من نفس هذا الشهر وهو رأس السنة القبطية الذي يسمونه ( توت ) يفيض ماء النيل ويموج وكأنه البحر الخضم ، وبعد سبعين يوما من ( توت ) يرتفع منسوب النيل في ( أم القياس ) بمقدار عشرين ذراعا وعندئذ يحتشد جميع أعيان القاهرة وأشرافها وعلماؤها وصلحاؤها ووزراؤها وأمراء جيشها على رأس الجسر المسمى ( أبو المنجا ) والواقع أسفل ساقية السلطان الغورى ، ويرفعون أصواتهم بالدعاء والثناء ، ويرفعون التراب الذي سد به الخليج الذي أنشأه المقوقس أثناء حكم ملوك القبط ، وبذلك يفيض ماء النيل فيضانا وكأنه البحر ، وينطلق ماؤه فكأنه سهم أطلق من قوس شديد . ويمضون بقارب ( الصوباشى ) إلى داخل المدينة . وعلى ضفاف هذا الخليج الجاري بسيرة ثلاث ساعات من داخل المدينة وحتى جوسق الغورية قاعات وحجرات متعددة وقصور ذات أحواض وشادروانات ، وعلى ساحل هذا الخليج كذلك مقاصير ذات حدائق غناء والناس فيها يمرحون ويبتهجون ، ويطربون في منازلهم ليل نهار ، وتصبح مجالسهم أشبه بمجالس السلطان ( حسين بيقرا ) « 2 » . ويجرى ماء هذا الخليج ثلاثة أشهر بتمامها ، تتوفر خلالها المياه لدى أهل القاهرة ولا يعانون أي نقص للمياه . ويمرحون على ضفاف هذا الخليج خمسة أشهر كاملة ، وتصبح أيامهم أعيادا كعيد الأضحى ، ويجالس كل أحباءه ويسامرهم في مجالس كثيرة الزينات وهم يصيدون السمك بشباكهم ، وتأتى جميع الحسان إلى هذا الخليج وينزلن في مائه
هامش
( 1 ) بياض بالأصل . ( 2 ) أحد علماء السلاطين ، غلب على مدينة هراة سنة 872 الهجرية ، وجعلها حاضرة ملكه ووزر له مير على شير نوائى ، فالتقيا على حب العلم وإكرام العلماء فكان قصره في هراة مثابة لأهل العلم والفضل بسط رعايته عليهم وغمرهم بنواله ، وتوفى رحمه اللّه عام 911 ه . انظر : المعجم الفارسي العربي الجامع للدكتور حسين مجيب المصري ص 124 .