وأخيرا تجاوز حدود صلاحياته ، ففي إحدى المرات ، كان أحد القوارب محملا بخصافات من التمر يمرّ في قرية قباب في طريقه من القرنة إلى العمارة ، خرج صدام من بيته وأمر صاحب القارب بشكل جازم أن يتوقف عن السير ويناوله ثلاث خصافات من التمر قبل مواصلة سفره . فردّ عليه قائلا بأنه كان يسرّه أن يقدم لصدام شيئا من التمر كهدية ، لكنه ، لعن نفسه إن قدّم له منها شيئا بعد هذا الطلب . فما كان من صدام إلّا وأن دخل بيته ثم خرج حاملا معه بندقيته فأطلق النار من فوق رأس صاحب القارب .
اشتكى هذا الرجل لدي الشيخ مجيد الخليفة فنحّى صدام عن منصبه هذا لعمله المشين . التقيت به مرات عديدة من بعد هذا الحادث فوجدته في فقر مدقع ، لكنه بقي على عادته في الكرم والسخاء ، يرحب بالضيوف مثلما كان يرحب بهم حينما كان يحكم قباب .
تبعد قرية بومفيفات مقدار ميلين عن قباب . انطلقنا إليها من مضيف صدام ونحن نسلك في مسيرنا ممرا مائيا يجري كالنهر الرئيسي بين القريتين . وسألت صدام عما إذا كانت هذه الممرات بين منابت القصب هي طبيعية أم من صنع الإنسان . فأجاب ، بأن المعدان يسوقون الجواميس حينما ينخفض منسوب المياه من خلال القصب حتى يحدثوا أثرا لطريق يسلكونه ، ثم يبقى هذا الأثر فيما بعد مفتوحا بسبب ذهاب وإياب المشاحيف منه .
شاهدنا أثناء سيرنا عددا من الجواميس وهي غاطسة في وسط مجرى النهر ، وكان الشخص الجالس في مقدمة المشحوف يربت على رؤوسها بعصاه حتى يبعدها عن الطريق ، لكنها ما كانت تبالي أو تتحرك من أماكنها حتى ولو سار المشحوف على أجسادها لمنع ظهورها .
سألت : « هل بإمكان الجواميس أن تلامس مقر الماء في كل مكان من هنا ؟ » .
رحلة إلى عرب أهوار العراق — صفحة 94
مساهمون: ويلفرد تسيجر
ص٩٤