تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة إلى عرب أهوار العراق — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
وبعد أربعة أيام دخلنا القناة التي تقودنا إلى قرية الرفيعية وهي القرية التي يسكنها أهل عمارة . كان التيار قويا والرجال ينظفون الأرض الواقعة خلف السدود ويرمون كميات كبيرة من النباتات حتى تطفو على سطح المياه وتنجرف إلى الأهوار . وكانوا يشتغلون وأقدامهم غائصة إلى الركبة أحيانا وإلى الخصر أحيانا أخرى . وفي هذه الأثناء اندفع صبي طويل القامة نحونا وقد وضع دشداشته حول رقبته . ولما وصلنا حيّانا وقال عمارة : « هذا أخوي رشك . في العام الماضي ساعد الآخرين في محاصيل الشلب . وهل سنه عنده أرض خاص له » . غسل الصبي الطين العالق في قدميه وساقيه وألقى بنفسه إلى وسط الطرادة بجانب عمارة ثم بدأ يقبله ويلتقط المردي بيديه . ولو أن رشك يبدو لطيف المظهر ويتسم بالحيوية والنشاط وذا خدود ممتلئة فإنه ليس مثل أخيه عمارة الذي يتميز بخفة الروح والمرح . فهو أصغر من عمارة بسنة واحدة وطوله بقدر طول أخيه إلا أنه هزيل الجسم ، لكنه قد يكون أكثر قوة من أخويه بعدما يكبر . وبعد أن تخطينا البيوت الأولى والأطفال يركضون خلفنا على امتداد الساحل ، شعرت بأن منظرنا أشبه بمنظر عازف المزمار . وبعد أن توقفنا عن السير ، كان جمع كبير من الناس قد تجمهر حتى يساعدوننا في نقل أمتعتنا . فقال عمارة لأحدهم : « حسن ! أركض وقل للوالد بأن الصاحب سيحضر كضيف » . ثم التفت نحو رشك وقال له « شوف . خلي الفروخ يجيبون كل شيء للبيت . لا تنس المرادي » . مكث ياسين وحسن عدة أيام في بومفيفات . أمّا أنا وعماره فذهبنا إلى بيت والد عماره . الذي كان خارج القرية وجاء بصحبتنا سبيتي وصبي آخر كان قد أتى معنا . تركنا الحقول المزروعة بالشعير وراءنا ، ونرى أمامنا الآن على مسافة