مناطق نفوذه إلى جزء كبير من جبل لبنان ؛ وهو يدفع الجزية لباشا صيدا . يحكم إقليم راشيا الأمير علي ، ويدفع الأجرة للباشا المقيم في المدينة نفسها . اما في إقليم حاصبيا فيقيم أمير آخر يدعى إسماعيل ، والجدير ذكره ان هؤلاء الامراء الثلاثة ينتمون للمنزل الشهابي . فضلا عن ذلك ، سمعت الناس يتحدثون عن شيخ درزي ، يدعى حسين ، ويحكم حوالي 40 قرية في جبل قفطين ، الواقع ضمن باشاليك حلب . غير أن سكان هذه القرى لا يتبعون الديانة الدرزية بحذافيرها بل يروى أنهم يقيمون ليلا اجتماعات سرية ويمارسون عادات الإسماعيليين ، التي سأتحدث عنها فيما يلي .
أكد لنا الفرنسيون ان دروز جبل لبنان يتحدرون من المواطنين الذين لازموا المنطقة الجبلية في الأرض المقدسة ، بعد ان طرد منها الأوروبيون ، غير اننا لا نستطيع اثبات العكس لأن بنيامين دو تودلا يأتي على ذكر الموضوع في بيان رحلته ، ص 36 ، علما انه قصد هذه المناطق في الوقت الذي كان فيه الأوروبيون أسياد الأرض المقدسة . مما لا شك فيه ان الدروز سيريانيو الأصل ، ولكنهم اعتنقوا ديانة محمد أو إسماعيل الدرزي ، الذي اثار ضجة كبيرة في مصر في بداية القرن الخامس هجري ويدعي بعض المؤلفين اننا نستطيع التعرف عليهم من خلال رؤوسهم المقرنة . ولما سألت الموارنة عن هذا الموضوع ، أكدوا لي انهم لم يلحظوا اي اختلاف في رؤوسهم . كما وانهم نفوا عبادة الدورز للعجل رغم ان المسلمين يطلقون عليهم لقب أبو العجل ، وبينما اتهمهم بعض المؤلفين بالزواج من اخواتهم وبناتهم ، أكد لي المسلمون والموارنة الذين يقيمون بينهم ، ان ذلك غير صحيح .
ينقسم الدروز إلى مشايخ العقل أو رجال دين وجهلة أو علمانيين . يتبع الفريق الأول شيوخ العقل الثلاثة الاساسيون ، ويقيم الأول في إقليم العرقوب والثاني في إقليم الشوف والثالث في إقليم حاصبيا . يتميز شيوخ العقل عن العلمانيين بثيابهم البيضاء وهم يملكون منازل فخمة على الهضاب المطلة على المناطق الجميلة . ومساء الخميس ، أو عشية الجمعة يجتمعون كلهم في منزل زميل لهم ، للتفرغ لشعائرهم الدينية والصلاة عن نية الأمة كلها ؛ تستطيع زوجات رجال الدين حضور هذه الاجتماعات بينما يحظر على الامراء أو العلمانيين المشاركة فيها . وهم يكرهون مظاهر الترف في الدنيا ، غير انني اخالهم أفاضل كرها ، لأنهم سيتوقون لاحقا ، وبعد عودة حاكمهم لاعتلاء العروش الملكية ، والمناصب الوزارية . وهم لا يتزوجون من بنات العلمانيين ، بل وانهم يشمئزون من ثروات الأعيان ، ويرفضون تناول الطعام لدى شيوخ وامراء أمتهم . ويكتفون بقبول الدعوات لتناول الطعام في منازل شيوخ العقل والفلاحين ، الذين يكسبون قوتهم من عرق جبينهم . وسمعت رجال الدين السنة يقولون انهم يرفضون تناول الطعام مع الباشا أو غيره من الأعيان الأتراك ، غير أن البعض يتهمهم لهذا السبب بالخبث . والجدير ذكره ان الدروز العلمانيين يرفضون أيضا تناول الطعام مع الجميع . كانت زوجة أحد الشيوخ ، تنزل في ضيافة القنصل الفرنسي في صيدا ، ولما
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 332
مساهمون: كارستن نيبور
ص٣٣٢