ملاحظات حول سوريا وسكان جبل لبنان
عند وصولي إلى حلب ، قصدت أولا منزل القنصل الهولندي العام ، السيد ماسيك ، الذي دعاني في بغداد لزيارته ، فاستقبلت بحفاوة بالغة ، فمنذ سنوات عديدة لم اجلس في صحبة أناس بهذه اللطافة . حتى انني صادفت اشخاصا من بلادي . ولد السيد ماسيك في هولستن . وهو يعد بالتالي من رعايا الملك الدانمركي . أما السيدة ماسيك ، وكنيتها غوفرتس ، فولدت في هامبرغ . بذل مضيفي قصارى جهده لجعل إقامتي في هذه المدينة مسلية جدا ، فعرفني على الأوروبيين المقيمين فيها ، ومن بينهم السيد بوري ، الذي يعمل في متجر السيد ماسيك ، ويقيم في منزله ، والطبيب باتريك روسيل ، شقيق صاحب كتاب وصف حلب ( بالانكليزية ) والسيد دايفيس ، رئيس إدارة المصنع الانكليزي ، والوالي الحالي ، بسيتون ، والسيد سميث ، والسيد ابوت ، وغيرهما من التجار الانكليز . فوجدت نفسي وسط مجموعة من الأصدقاء الأوروبيين ، ونسيت في خضم الأحاديث المتاعب التي مررت بها حتى الان . في هذه الأثناء تلقيت في حلب الامر من جلالة الملكة تقضي بالعودة إلى قبرص ، ونسخ النقوش التي نقلها السيد بوكوك ، والتي يخالها العلماء الأوروبيون فينيقية ، وتستدعي بالتالي التوضيح . كان سكان هذه الجزيرة قد قتلوا حاكمهم من فترة ليست ببعيدة ، واعلنوا الجزيرة ساحة حرب ، ففضلت الانتظار قليلا قبل القيام بهذه الرحلة ، ولما كان البعض يحاول تعظيم الأمور ، أسرعت بالذهاب إلى اسكندرون ، للانتقال منها إلى قبرص ، فور سماعي اخبارا جيدة ، تؤكد ان محيط لارنكا ، حيث عثر السيد بوكوك على النقوش ، أصبح آمنا ، وقصدت بعدها يافا ، وأورشليم وعكّا ، وصيدا ، ودمشق وطرابلس واللاذقية ، لأعود لاحقا إلى حلب ، بانتظار وصول القافلة التي ستقلني إلى القسطنطينية ، مرورا بعدن ، وكوتاهية وبورصة ، غير انني سأحتفظ بوصف هذه الرحلة للجزء التالي ، وسأكتفي بأن أضيف هنا بعض الملاحظات حول سوريا .
تنقسم سوريا إلى عدة مقاطعات ، على رأس كل منها حاكم يملك ثلاثة اطواق ؛ تعد المناطق التابعة لحكومة دمشق الأكبر مساحة والأكثر ربحا ، لأنها تضم الأراضي المقدسة . تليها المناطق التابعة لباشا حلب ، والجدير ذكره ان باشا طرابلس وباشا صيدا ، يملكان عدة أقاليم تابعة لنفوذهما ، علما ان معظم رعاياهم يقيمون في جبل لبنان ، رغم انهم ينتمون لمذاهب وديانات مختلفة ، وينتخبون شيوخا وامراء من قومهم يستأجرون بعض الأقاليم من الباشاوات ، ويرفضون دفع الايجار إلى أن يستدعيهم الجيش التركي ويرغمهم على دفع ما يتوجب عليهم .