تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
لما كنت احمل رسائل توصية إلى البعثات الريفية في الموصل ، توجهت فور وصولي إلى الموصل لمقابلتهم ، آملا ان يؤمنوا لي منزلا في الحي المسيحي . كانت البعثة تضم راهبين دومينيكيين ، عين واحد منهما طبيبا للباشا ، ولما علما انني دانمركي وبروتستانتي ، رفضوا مساعدتي ، فاضطررت لاستئجار غرفة في خان أو مسكن عام . من جهة أخرى ، استطعت ان أوطد صداقتي مع الكهنة الأوروبيين كافة . ورغم المحاولات التي بذلها أحدهم لتحويلي عن معتقداتي ، بقيت علاقتنا متينة ، علما ان الجميع كان مسرورا بمقابلة رجل اوروبي . غير أن وجودي في الموصل أثار سخط الرهبان الدومنيكيين ، ففي زمن الصوم يمتنع النسطوريون واليعقوبيون عن تناول اللحم والحليب والبيض والزبدة ، فتضعف صحتهم ويصابون بالمرض . فهم يمتنعون عن الاكل والشرب وتدخين السجائر من طلوع الشمس إلى الظهر . والجدير ذكره ان الرهبان الدومنيكيين يتبعون صياما قاسيا ، لأن سكان البلاد يعتبرون ذلك فرضا أساسيا من فروض الديانة المسيحية . فلو أخبرني هؤلاء الرهبان ذلك ، منذ البداية ، لصمت معهم ، ارضاء لهم . فحسبت ان مسألة صيامي قلما تهمهم . ولكنهم ما لبثوا ان أدركوا انني لا أصوم ابدا . فسأل بعض الكهنة النسطورين ، الذين تحولوا عن دينهم على يد هؤلاء الدومينيكيين ، ويخالون ان الأوروبيين يتبعون جميعا الكنيسة الكاثوليكية الرومانية ، أطباءهم عني ، فوصفوا لهم البروتستانتي بطريقة مريعة للغاية ، حتى أن جميع المسيحيين اعتبروني ملحدا ، باستثناء بعض التجار الذين وطدوا علاقاتهم بالانكليز في حلب . حتى المسلمين بدأوا ينظرون إلي بطريقة غريبة ، متسائلين عن سبب الخلاف بيني وبين المبشرين الأوروبيين ؟ وفي سبيل تفادي احتقار الجميع لي ، حاولت ان اكسب صداقة طبيب الباشا أو الحكيم باشي ، فاشتريت له عملات قديمة ، دفعت ثمنها غاليا . ولما قدمتها له ، راح يتحدث عن مسيحيي الشرق بالسوء ، كما كان يتحدث عني من قبل ؛ بعبارة أخرى ، تمكن هذا الرجل من تحويل عدد كبير من مسيحيي الشرق عن دينهم ، مؤديا بذلك خدمة عظيمة للكنيسة ؛ ولكن رأيه ، بالمسيحيين الآخرين ، ليس مسيحيا ابدا . وفي سبيل محو الفكرة التي زرعها الرهبان في ذهن السكان ، خاصة وانني وصلت إلى المدينة برفقة اليهود ، حاولت ان انتهز الفرص لأحسن صورتي أمام الباشا ، رغم انني كنت اتفادى ذلك في المدن الأخرى . فساعدني صديق لي يدعى إيليا ، في بلوغ غايتي ، دون ان يأخذ مني قرشا ، فقال للكخيا ، انني قادم من الهند ، وانني زرت بلاد فارس وأحسن العربية ، وحتى ينقل ذلك للباشا . وقمت أيضا بزيارة المفتي ، واستقبلت عددا من المسيحيين ، من نسطورين ويعقوبيين ، بعبارة أخرى ، كانت إقامتي في الموصل مرضية ومريحة .