كافة الأقاليم يمنع فيه السكان من لعن الخلفاء الثلاثة الأوائل ويلزمهم بذكرهم باحترام ، كما يمنعهم من الاحتفال بذكرى الحسين ، باختصار لن يبقوا شيعة انما سيشكلون المذهب الخامس للسنّة تحت اسم الجعفريين .
وهكذا ، أعلم نادر شاه الفرس ، منذ بدء حكمه ، ما ينبغي أن يتوقعونه منه ، ووجد العديد من رجال الدين أفكار الزعيم الجديد حول الدين ممتازة ، فتولوا مناصب رفيعة ، وكثر الحديث عن التسامح والمحبة إزاء الديانات الأخرى فضلا عن القضاء على التطيّر الخ . ووصف الشيعة بالخبثاء الجاهلين ، الذين يسيئون تفسير القرآن ويمارسون شعائر غريبة ، ويظنون أنهم يتقرّبون من الله ببكائهم ونحيبهم على موت الحسين . لكن مهما حاول الجعفريون السخرية من أتباع المذهب القديم ، انتشرت ديانتهم ببطء شديد ، لأنهم لم يتمكنوا من نشرها بالطباعة ، ولم يؤمنّوا وظائف لأتباعها لأن عائلة مؤسس أي مسجد ، تمنح المهمات فيه . وحاولوا جاهدين ، دعوة الشيعة لعدم لعن الخلفاء الثلاثة الأوائل ، وعدم البكاء على الحسين ، لكن هؤلاء اعتادوا منذ سنوات سبّ أبي بكر وعمر وعثمان ، فيستحيل عليهم حاليا اعتبارهم أناس شرفاء ، وبما أنهم وجدوا العزاء في البكاء على حفيد نبيهم رفضوا ترك هذه العادة . وتبين بعد مراقبة تصرفات الجعفريين انهم غيّروا دينهم ولم يبدلوا طباعهم ، وإذا ما اتهم رجال الدين الشيعة بالطموح ، تبين أن الجعفريين يبحثون عن المكاسب ويسعون وراء النفوذ ، وان اتهم رجال الدين بالتطيّر ، اتهم الجعفريون بالتشكيك إذ لوحظ أن رجال الدين لا يقصدون المسجد إلا لقاء أجر وأن العلمانيين لا يكترثون بالدين ظنا منهم أنهم يبتعدون بذلك عن التطيّر ، ويتهم الشيعة بأنهم أعداء لغيرهم من المسلمين ، ويدان الجعفريون بالتهمة نفسها ، إذ يظهرون الاحترام والرفق في تعاملهم مع غيرهم من المسلمين علما أنهم يكنّون العداء لأتباع مذهب أجدادهم وهذا لا يتناسب ومبادئهم . ووصف نادر شاه بالمشكك والكافر ومضطهد عائلة ملكهم الشرعي الذي كان على الدين الصحيح . وقيل إنه وصل إلى العرش بالخداع وبقوة السلاح ، فثار الرعايا عليه كلّما أتيحت لهم الفرصة . ومن جهة أخرى ، استغرب نادر الذي يعتبر نفسه مخلص الفرس من نير الطغاة ( ولا يحتسب وحده بينهم ) من افغان وأتراك وروس ، والذي أراد أن يكسب صيت من لم يقبل بالسلطة إلّا بناء على رغبة الفرس أنفسهم ، نكرانهم للجميل ، فأخذ يعاقب المتمردين ، وبالرغم من ذلك ، استمرت الثورات واستمر في قمعها ، فأمسى طاغية متجبّرا . ولو لم يعمل نادر شاه على تغيير الديانة ، لأحبه شعبه ، ولتمكن من خلع السلطان التركي ونهب القسطنطينية ، كما فعل بالمغولي وبمدينة دلهي ، لكن حياته كلها غدت حربا متواصلة إذ توجب عليه مقاتلة أعدائه الخارجيين وقمع رعاياه الثائرين ، وأخيرا ، وبعد أن أتعب البلاد وقتل الكثير من سكانها ، وبالرغم من انتصاراته ، اغتيل في خيمته .
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 229
مساهمون: كارستن نيبور
ص٢٢٩