عدة . عندئذ ، قام أحد حلفائه ، وهو رجل واسع النفوذ وبليغ ، وأعلن أن ما من أحد يستحق حكم هذه المملكة أكثر من القائد الذي خلصها من الأعداء ، وأيّد الجيش هذا الاقتراح ، فلم يتجرأ أحد الأعيان على الاعتراض . يقال إن نادر شاه لم يكن يأبه ان عيّن شاها ، حتى أنه أراد ان يفكر الفرس مليا بهذا الأمر العظيم كي يختاروا أكثر الناس كفاءة كملك عليهم . كما أنه اعترض قائلا انه لا يتمنى حاليا ، بعد أن استتب الامن في بلاد فارس ، سوى أن يستريح في احدى مناطق خراسان التي سيحتفظ بها لنفسه .
أعاد نادر للمملكة معظم الأراضي التي اقتطعتها الدول المجاورة وسلبها المتمردون ، وبالتالي قدّم خدمات جسام للبلاد . فإن استلم العرش ، تحافظ بلاد فارس على عظمتها ، لكن إن أعيد الحكم للشاه الشرعي أو تمّ اختيار أحد الخانات الذين يخضعون لنادر ، قد لا يعجب الامر الجيش ويتفرّق فيتقاسم القادة الذين يقودون قبائلهم الخاصة وجندهم المقاطعات في ما بينهم ، فاضطر الفرس إلى تسليم العرش لنادر . وبما أنه لم يكن يأبه لخيارهم ، تمنى الفرس ان يتعب من الحرب ، وأن يبحث عن السلم بصفته شاها ، حبا برعاياه ، وبانتظار أن يتخذ نادر قراره حول قبول الحكم أو رفضه عاش الجيش والجموع في قلق .
ولم يكن نادر وحده من اتباع المذهب السني ، بل القسم الأكبر من جيشه الذي يضم العديد من الأفغان والتركمان والأكراد والعرب ، ويقال إن القائد كان يفضل هؤلاء على أبناء البلد من الشيعة .
وكان هذا الامر يستحق الانتباه عند اختيار ملك من مذهب مختلف ، يحيط به العديد من أبناء دينه في جيشه يرأسهم قادتهم الخاصين ، لكن هؤلاء لم يهتموا يوما بالدين ، وظن الناس ان نادر يفضلهم لأنهم اعتادوا على العيش في الخيام منذ نعومة أظافرهم وبالتالي هم جنود أشجع وأفضل من الفرس الذين يفضلون العمل بالزراعة والتجارة ، والعيش في ترف ورفاه . ولم يظهر نادر ، حتى ذاك اليوم ، أيّ تعلّق بالدين أو أي تطرف ، وجل ما فعله هو اقتلاع كراهية الدين من جيشه وترسيخ الوحدة بين أفراده ، وأمل الفرس ان يبقى متسامحا وهو شاه كما كان وهو قائد للجيش . وأخطأ الفرس في اعتقادهم هذا ، إذ إنّ نادر ، وبعد أن جعلهم ينتظرون قراره جمع كبار المملكة وأظهر لهم نتائج فرقة الدين الوخيمة ، وذكّرهم بالحرب الدامية التي دارت بين الأتراك والفرس بسبب هذا الامر ، وبوجود العديد من التركمان الشجعان والأكراد والعرب السنّة في الجيش الذي اخضع المتمردين ، وأشار إلى أنه لا يجوز ان يحتقر محررو مملكة الفرس وان يعتبروا كفارا « * » ، وأن يسمعوا الإهانات واللعنات
هامش
( * ) ساد الاعتقاد نفسه بين اليسوعيين الذين اعتبروا ان ملك الحبشة ورعاياه يمكن ان يصبحوا كاثوليكا إلى الأبد ، لأن البرتغاليين ساندوه مرة في مواجهة جيرانه من المسلمين . رحلة الأب جيروم لوبو إلى الحبشة بقلم لوغران .