وتغييرات الطقس والماء التي تعرضنا لها في الجبال والسهول ، فمرضنا الواحد تلو الآخر ، قررنا التوجه إلى المخا ومنها إلى الهند حفاظا على أرواحنا وأوراقنا . وحصلنا على إذن مغادرة صنعاء على إذن مغادرة صنعاء ساعة نشاء ، لكن كان ينبغي أن نستأذن وفقا للأصول وأن نعرض على الإمام في الوقت نفسه ما شاهده الفقيه أحمد سابقا مما أخّر سفرنا لأيام عدة .
وأرسل بطلبنا للمرة الثانية في 23 تموز / يوليو ، واقتدنا إلى القاعة نفسها في بستان المتوكل حيث قابلنا الإمام في المرة السابقة . لكن الأمور حصلت في صمت تام ذاك اليوم ، وجلس الإمام على الارتفاع الأول ، لا أمام العرض ، إنما في إحدى جهات القاعة على كرسي أوروبي ، صنعه هندي من القصب في صنعاء .
وقبلّنا راحة يده وظهرها ، وفقا لعادات العرب ، فضلا عن انحناء على مستوى الركبة ، ولم يكن حاضرا سوى الفقيه أحمد والكاتب الذي أحضرنا وستة إلى سبعة عبيد وخدم . ولم يسمح لأي من خدمنا بالدخول ، لأن الفقيه أحمد اعتبر أني قادر على التكلم بالعربية . وبدا أن ما عرضناه على الإمام أثار إعجابه ، وطرح علينا أسئلة حول التجارة والفنون والعلوم في أوروبا ، وتمّ إحضار علبة مليئة بالأدوية قدمها إنكليزي للإمام فشرح السيد كرامر اسم كل دواء وكيفية استعماله وأمر الإمام بكتابة ما ذكره الطبيب بالعربية .
وغادرت المنزل مريضا ، وازدادت حالي سوءا من الوقوف طويلا ، فطلبت الإذن للخروج من القاعة ، ووجدت أمام الباب عددا من ضباط البلاط ، يجلسون على حجارة في الفيء ومن بينهم النقيب خير الله الذي تحدثت معه في السابق مرات عدة . وترك لي هذا الأخير مكانه وأخذ يحمل بعض الحجارة لبناء مقعد آخر لنفسه ، وطرحوا عليّ العديد من الأسئلة حول عادات الأوروبيين وتقاليدهم ومن بينها عادة شرب الكحول التي لم ترق لهم . لكن حين أكدت لهم أن السّكر ممنوع على المسيحيين أيضا ، وأنهم يعاقبون على ذلك ، وأن ما من أوروبي عاقل يشرب أكثر مما تسمح به صحته ، أغضبتهم هذه العادة أكثر من قوانينهم التي تمنعهم من شرب الكحول نهائيا في حين أنها تكثر في بلادهم ، وأنهم يشربونها أحيانا كعلاج . وعدت إلى القاعة ، واستأذنا من الإمام بالطريقة نفسها التي دخلنا بها عليه ، بعد أن شرح له السيد كرامر كيفية استعمال الأدوية وأجبنا على أسئلة عدة . وبعد الظهر ، ودعنا الفقيه أحمد وبعض الأعيان .
إن لسلوك الدرب الذي يمرّ عبر يريم وتعز ، في طريق العودة من صنعاء إلى المخا ، سببا وجيها ومهما وهو نسخ كتابات حراتة وجعفر التي أعتقد أنها كتابات حميرية ، لكن بما أن الهدف الأول للرحلة ليس البحث عن الآثار ، وبما أني لا أجد عادة سوى بقايا غير مهمة حيث يعلمني العرب بوجود آثار شهيرة وكتابات غريبة ، اخترنا أن نسلك الدرب الذي يمر في موفاق
( Mo ? fh k )
وفي بيت الفقيه . وباختياري هذا الطريق ، سأتمكن من تحسين خرائطي عن اليمن ، وسنتمكن من رؤية تهامة في فصل آخر من السنة أي في موسم الأمطار . ولم يكتف الفقيه أحمد ، الذي عرضنا له صراحة أننا نفضل الوصول إلى بيت الفقيه عبر طريق لم نسلكها من قبل ، بإعطائنا حرية اختيار طريقنا ، بل وعدنا بأنّ يؤمّن لنا الإمام الحمير والجمال .