بطريقة غريبة لأنه يسلك الدرب الطويل ، وينضم للموكب عدد كبير من الذين أدّوا واجباتهم الدينية في المساجد الأخرى . ولقد غادر الإمام الجامع الرئيس بعد أن أدّى الصلاة في ذاك اليوم ( 22 تموز / يوليو ) ، وتوجه عبر باب اليمن إلى باب شرارة
( Sch r ra )
ومنه إلى خارج المدينة . ويسبق الإمام بضع مئات من الجند ، ويحمل الخدم إلى جانب الإمام وكل أمير من عائلته مظلة أو شمسية كبيرة ، وهي مزيّة لا تحقّ إلا للأمراء الأقحاح ، لذا لا يسمح السلطان في القسطنطينية إلا لوزيره بالحصول على نوع من الجندول المغطى من الأمام لاتقاء حرارة الشمس . ويقال إن الأمراء المستقلين في أقاليم اليمن الأخرى كمشايخ يافع وحاشد وبكيل ، وشريف أبي عريش وغيرهم ، يخصصون خدما لحمل هذه المظلة
( Mad lla )
كدليل على استقلالهم . ويتبع الإمام ، فضلا عن الأمراء ، حوالي 600 رجل من الأعيان ، من رجال دين وعلماء ، وعسكريين ، يمتطي بعض منهم جيادا رائعة ، ويرافق عدد من الشعب الإمام سيرا على الأقدام . ويسير إلى جنب الإمام حملة الأعلام من الجهتين ، لكنها أعلام مختلفة عن تلك التي نراها في بلادنا أو تعلوها مجمرة عطور صغيرة من الفضة ، ويقال إنها تحمل تعويذات تجعل الإمام لا يقهر . وينتشر حملة البيارق مع مجمرات ضمن المسيرة لكن لا يبدو أن لها مكانا محددا ؛ باختصار كانت المسيرة ضخمة ورائعة جزئيا ، لكنها غير منظمة بحسب ما بدا لي ، إذ يركض البعض ، ويمتطي البعض الآخر الجياد ، ويتداخلون من دون مراعاة أي نظام . وعلى مقربة من باب شرارة ، وقفت جمال ، تحمل هوادج فيها بعض نساء الإمام اللواتي يشاركن بالمسيرة لكن يقال إنها كانت فارغة وأنها نقلت إلى خارج المدينة كي لا يخالفوا العادة ، ويتبع هذه الجمال بعض الإبل غير المحملة ، لا يحمل الواحد منها على سرجه سوى أعلام للزينة وأطلق الجنود عيارات نارية عند باب خرارة بارتباك لم أشهد له مثيلا في اليمن . وبما أني كنت مريضا ، لم أشأ التعرض لأشعة الشمس وأنا أتجول هنا وهناك ، فعدت على أعقابي إلى بئر القصب . وأجرى الجنود بعض العروض العسكرية أمام منزل الإمام ، وأظهر مسؤولوهم براعة في السباق ، ولم يجد السيد كرامر ، الذي حضر الاستعراض ، الجنود أبرع من أولئك الذين شاهدناهم مرارا في الأقاليم ، ويكون ذلك عند عودة صاحب الدولة من المسجد . وتقفل أبواب المدينة كلها أثناء الصلاة - على ما يبدو - للسبب نفسه الذي يدفع الأوروبيين لإقفال مدنهم خلال الوعظ ، وليس خوفا ، كما قرأته في بعض الروايات ، من أن يفاجئهم المسيحيون نهار الجمعة كما تقول نبوءة مزعومة .
واستقبلنا في صنعاء بلياقة وصداقة لم نكن نتوقعهما ، وأراد بعض الأعيان إقناعنا بالبقاء لعام آخر في اليمن ، وبعدم الإبحار مع السفن الإنكليزية . ولم نكن لنخشى شيئا من الشعب لو قررنا اتباع هذه النصيحة ، لكن بما أن الموت حرمنا من الأستاذين ولم نعد نأمل باكتشافات جديدة حول اللغة والتاريخ الطبيعي للبلاد ، وبما أنني رأيت القسم الأكبر من مدن هذه المملكة المهمة ووضعت مشروع خارطة جديدة خاصة باليمن ، وبما أننا عرفنا سمات البخل عند الإمام الحالي ، وبعد أن تعرضنا لمشاكل عدة مع صاحب دولة تعز والمخا ، - ولو أننا لم نعد نخشى هذه الأمور - وبعد الصعوبات الدائمة التي واجهناها ،