منزله في الجوار ، لكن تبين لنا أنه بقي والخدم المسلمين على ظهور حميرهم ، وأن مسافة طويلة تفصلنا عن المنزل الذي سنقيم فيه ، واستقبلنا أسوأ استقبال في ذاك اليوم كما لم يحصل معنا قط من قبل في أية قرية يمنية . وكان يمكن أن نصادف في منزل ما ، أناسا يوفرون لنا الماء والخبز ، فيما لم نجد في منزلنا سوى غرف فارغة . وبما أننا كنّا نتوقع دخول عاصمة المملكة في ذاك اليوم ، لم نتزود بالمؤن اللازمة ، وانتظرنا طويلا لنحصل على مرطبات من المدينة ، وكنا نودّ أكل العنب . عدا ذلك ، لم نقم منذ فترة طويلة في منزل نزه كذاك الذي خصصه لنا الإمام ، ففيه شقق جميلة ، وتحيط به حديقة غنّاء تكثر فيها الأشجار المثمرة التي تبدو وكأنها نمت من دون زراعة ، وقد تمّ تنسيقها على الطراز العربي ، فلا تجد فيها فيئا أو ممرات .
وفي اليوم التالي لوصولنا إلى بئر القصب ، أي في 17 تموز / يوليو صباحا ، أرسل لنا الإمام هدية ، وهي خمسة خراف ، وحمل ثلاثة جمال من الخشب ، وكمية كبيرة من الشمع ، والأرز ، والتوابل المختلفة .
واعتذر المكلّف بتقديم هذه الهدية منا ، لأن الإمام غير قادر على استقبالنا في هذا اليوم وفي اليوم التالي لأنه مشغول بدفع أجور جنود حاشد وبكيل الخاضعين له . ولم يؤثر علينا هذا الخبر إذ لم نقصد صنعاء بهدف تقديم الطاعة للإمام بل لزيارة المدينة والمناطق المجاورة وللتعرف على أناس يعطوننا معلومات حول هذه البلاد . لكن فرض علينا عدم الخروج من المنزل قبل مقابلة الإمام ، وأثار هذا الأمر استياءنا ، إذ لم نشأ تضييع الوقت ، ولم نكن واثقين كل الثقة من أن الإمام سيدعونا بعد يومين .
ولم يعلمونا بأن استقبال شخص من أهالي البلاد ، قبل مقابلة الإمام ، مخالف لأصول اللياقة تجاهه ؛ وكنا قد تعرّفنا من قبل على شخص من صنعاء وهو يهودي ، سافر معنا من القاهرة إلى لحية . وبالرغم من أنه من أغنى عائلات اليهود وأهمها ، رافقنا كخادم لتوفير مصاريف الرحلة من جهة ، لأن يهود شبه الجزيرة العربية يعرفون قيمة المال كإخوانهم في أوروبا ، وللسفر في حمايتنا بسهولة أكبر من جهة أخرى ، لأن الأتراك ، الذين يحجون من القاهرة إلى جدة ، يحتقرون اليهود ويسيئون معاملتهم حين يصادفونهم .
وحين علم هذا اليهودي بقدومنا ، زارنا مع واحد من أكبر علماء الفلك عندهم ، ليشرح لي الاسم العبري لبعض النجوم التي ذكرت في الكتب المقدسة ( وصف شبه الجزيرة العربية ) . ووصل في الوقت نفسه كاتب الفقيه أحمد ، فوقف اليهوديان لكنه لم يسرّ لرؤيتهما ، واستاء من كونهما تجرآ ودخلا بيتنا قبل أن نقابل الإمام ، وطردوهما من بيتنا كما كلّف خدمنا المسلمين بمنع دخول أي شخص كان قبل أن يرانا سيّده . وأثارت هذه الأعراف العربية استياءنا ، لكن السفراء العرب لدى الملوك الأجانب يلتزمون بها ، ولم يرض سفير باشا طرابلس بتوجيه الكلام إلى أحد عند دخوله كوبنهاغن قبل مقابلة وزير الدولة . ولعل الكاتب المذكور أعلاه ظن أن رفقة اليهود لا تسرّنا كما لا تسعده هو ، وأنه أسدى لنا معروفا بطردهم من منزلنا .
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 326
مساهمون: كارستن نيبور
ص٣٢٦