في المخا وبالتالي في هذه المملكة ، والذي أكدّ لنا أنه لم يفهم الكثير من الإمام . وبما أننا لم نتمكن من التحدث مباشرة ، إنما عن طريق غرباء ، أوجزنا الحديث ، ولم نر ضرورة لإعلامهم بأننا قطعنا هذه المسافات الطويلة ، فأوضحنا للإمام أننا أبحرنا عبر الخليج العربي لأنه الطريق الأقصر للوصول إلى الهند من أوروبا . ولم ننس أن نذكر ، أننا سمعنا الكثير من الإطراء والمديح حول الثقة والأمن المستتبين في الدول الخاضعة للإمام ، فدفعتنا رغبتنا لرؤية هذه المملكة قبل رحيل آخر سفينة إنكليزية ، كي نتمكن ، بصفتنا شهود عيان ، من الثناء على هذه البلاد . فردّ الإمام مرحّبا بنا في بلاده ، ومنحنا حرية الإقامة فيها بقدر ما يحلو لنا أو بقدر ما تسمح به أعمالنا . وبعد أخذ ورد ، استأذنا ، بعد أن قبلّنا يد الإمام من جديد وسط الهتافات المعتادة ، وقطعنا صالة طويلة ثم خرجنا من الباب دون أن نضيف أية إطراءات . ولقد حفرت هذه الجلسة على اللوحة
( LXIX )
.
وعند عودتنا ، أرسل لنا الإمام أحد عشر كيس نقود ، واحد منها لخادمنا من المخا ، الذي عمل كمترجم لنا ، يحتوي على 99 خماسي وهي قطع نقدية تبلغ قيمة كل 32 منها درهما واحدا . واحتفظ الصرّاف لنفسه بدرهم بالمئة ، إما لأنها عادة في البلاد وإما إنه يفعل ذلك من دون علم الإمام . وقد تبدو هذه الهدية التي أرسلها الإمام بالعملة المحلية منافية للياقة ، لكن إذا ما اعتبرنا أنّ ما من إنسان يمكن أن يعيش في هذه البلاد بالدين ، أو في فندق ، وأننا مضطرون لشراء حاجاتنا من السوق نقدا ولتحضير طعامنا بأنفسنا ، تعتبر هذه الفعلة لطفا منهم اتجاه الغرباء ، كي لا يخدعهم الصرافون ولتجنيبهم هذا العناء .
واحترنا في قبول أو عدم قبول هذه الهدية لا سيّما وأننا لم نشأ العيش على حساب العرب كي لا نعطيهم حجة ليتمنوا رحيلنا ، لكن رفضها سيعتبر إهانة لذا قررنا الاحتفاظ بها .
ولا يقابل السلطان ، في تركيا ، شخصا ما إن لم يكن الوزير قد رآه ، لكن العادة مختلفة في اليمن فبعد أن نلنا شرف مقابلة الإمام في الصباح ، أرسل الفقيه أحمد بطلبنا بعد الظهر إلى منزله الريفي في بئر القصب ، وطلب منا إحضار الغرائب التي شاهدها معنا الأمير فرحان في لحية ، وبعض أعيان العرب في المدن الأخرى . لكن هذه النوادر الجميلة لم تكن سوى المجاهر والمحراث ، والمناظير ، والكتب العربية المطبوعة ، والألواح ، وأدوات الرسم فضلا عن الخرائط الجغرافية والهيدروغرافية ، والإبر الممغنطة الخ والتي حملناها معنا لاستعمالنا الخاص ، لكننا عرضناها لاحقا عن طريق الإمام . وتبينت أن خوفي هذا لم يكن مستندا إلى أيّ أساس منطقي ، لأن الفقيه استقبلنا بتهذيب وأدب بالغين ، وأعرب عن إعجابه بما عرضناه أمامه ، وطرح علينا بعض الأسئلة التي دلّت على اطلاعه على العلوم أكثر من أبناء بلاده الآخرين ، وعلى كثرة تعامله مع الأجانب من أتراك وفرس وهنود ، مما مكنه من جمع معلومات واسعة حول الجغرافيا .
ويظن معظم العرب أن أوروبا تقع إلى الجنوب من بلادهم ، لأن السفن الأوروبية التي ترسو في مرافئهم تأتي من المناطق الجنوبية ، لكن الفقيه أحمد يعرف موقع دول أوروبا كافة ، ويعرف الدول الأقوى برا