صاحب الدولة في هذه المنطقة رسالة معلمه . فأرسل في طلبنا على الفور وبدا لنا لطيف المعشر . فقدم لنا الكيشر والنراجيل وشاهدنا على الأريكة أفنان شجرة يمضغها العرب في أوقات اللهو ، كما نمضغ التبغ ، وكما يمضغ الهنود التنبول . غير أن هذه الحلوى العربية لم ترق لنا أبدا . وأخبرنا صاحب الدولة أنه يقال في تعز إننا نحمل معنا من المخا صناديق مليئة بالأفاعي : هكذا يغالي العرب في نقل الأخبار . واصطحبنا إلى أحد المنازل التي زج صاحبها في السجن منذ فترة وجيزة ؛ وأرسل لنا نعجتين وكمية من الطحين والشعير . فقدمنا له في المقابل قطعة قماش من الهند توازي قيمتها 24 ريالا ؛ كان خادمنا الأوروبي قد قصد بيت صاحب الدولة ليسلم له هديتنا فاعترض البواب طريقه طالبا منه أن يدفع له بقشيشا فما كان عليه إلا أن رد قائلا : إن جرت العادة في بلادكم أن يتبادل الخدم البقشيش فعليك أن تدفع لي مبلغا كبيرا من المال لأنني أحمل هدية لسيدك فضحك البواب منه وسمح له أن يتابع طريقه .
ثم في اليوم التالي سلمنا الرسائل التي أوصانا بها أصدقاؤنا في المخا إلى أصحابها ؛ ومنها واحدة للباش كاتب ، وثانية للقائم بأعمال عائلة أحمد الذي كان أمير تعز ، وثالثة لنبيل يدعى سيد ، ورابعة لبانياني ؛ والجدير ذكره أن الجميع استقبلنا بالترحاب غير أن خادم صاحب الدولة في المخا كان يلاحقنا حيثما ذهبنا ؛ حتى أنه كان يدخل إلى غرفتنا حين يأتي أحدهم لزيارتنا ؛ ولعله كان يحاول أن يعلم العرب أننا نسافر تحت رعاية سيده ، ولكن تصرفاته هذه كانت تحد من حريتنا وتثير سخطنا . فحاولنا أن نفهمه أن وجوده ليس مشجعا في هذه المناسبات . ومن ناحية أخرى كان الطقس في تعز جميلا جدا ؛ فبدلا من الحرارة الخانقة والجفاف اللذين يسودان في تهامة ، كانت السماء تمطر كل مساء حاملة معها هواء منعشا .
إن مدينة تعز تقع شمالا ، عند سفح جبل صابر الخصيب ، على خط العرض 13 ؟ ، 34 ؟ ؛ وهي محاطة بأسوار تتراوح سماكتها بين 16 و 30 قدما ، وتعلوها أبراج صغيرة ؛ كما وأنها مغطاة من الخارج بآجر مشوي ؛ ونجد داخل الجدران صخرة متعرجة يبلغ ارتفاعها حوالي 400 قدم بني عليها حصن قاهر المنيع .
وللمدينة بابان ، باب الشيخ موسى ، وباب الكبير ، يصلان على الطريق المؤدي من المخا إلى صنعاء ؛ وهما مبنيان على الطراز العربي ؛ ونجد بابا آخر يصل قصر قاهر بجبل صابر ، وبابا رابعا في سور المدينة بين قاهر وباب الكبير ؛ والجدير ذكره أننا لم نشاهد أثرا للمدافع إلا في قلعة قاهر ، وعلى بابي المدينة ؛ لكن خلال إقامتنا في تعز ، تمّ بناء برج جديد وضع عليه عدد من المدافع . تتألف حامية تعز من 500 أو 600 عنصر يقيم 60 منهم في القصر ، بينما يوزع الباقون على أبواب وأبراج المدينة .
وقد تبدو تعز محصنة جدا ضد الأعداء ؛ لكن وفقا للأسلوب الذي يعتمده الأوروبيون في حروبهم ، لا أظن أن بلدة تعز وحصنها قد يصمدا طويلا أمام العدو . وإليكم ما تدل عليه الأرقام التي وضعتها على اللوحتين
LXVI )
و
( LXVII
: 1 ) باب الشيخ موسى ، 2 ) باب الكبير ، 3 ) البرج الجديد الذي وضعت