تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
وهناك قلعة في هذه المدينة يعتبرها أهلها شديدة الأهمية . ثم إن المدينة مفتوحة والمنازل بعيدة عن بعضها وهناك الكثير من الحجارة المستعملة في تدعيم البناء إلا أن غالبية المنازل قد بنيت على الطريقة الهندسية في تهامة أي إنها تتألف من أكواخ طويلة مستديرة السطوح ومغطاة بالعشب . نزلنا في بناء حجري هرب منه صاحبه للتخلص من حشرات حجمها كحجم النمل تسمى أرضة
( Ard )
. كانت هذه الحشرات الموجودة في كافة الغرف تشق طريقا لها مغطى بالتراب اعتبارا من الأرض وحتى المكان الذي تبحث فيه عن الطعام . وهي تأكل الفاكهة والثياب وكل ما تجد ، فليس إذا من الغريب أن يكره العرب شغل منزل تملؤه الحشرات . كما وتحدث هذه الحشرات أضرارا كبيرة في المنزل . تشق طريقها من جذور الشجرة حتى رأسها فتأكل الخشب الجديد وتقضي على الشجرة . ويقال إنها لا تهجم على كافة الأشجار بل تقصد الشجر ذا الخشب الناعم . ولأن البستانيين يعرفونها يقومون بتدمير ممراتها . أما نحن فطمرنا طرقاتها في الغرف لكنها كانت تعيد شقها دائما . وتعمل هذه الحشرات بسرعة في الظلام لكن حركاتها تبطئ على ضوء الشموع . وعلى طول الطريق في تهامة رأينا نباتات كبيرة مغطاة بالتراب وعندما كنا نهزها لإبعاد التراب عنها كنا نرى أعدادا من هذه الممرات المغطاة وكانت النباتات جافة تماما . إن موقع هذه المدينة يعتبر استراتيجيا بالنسبة للتجارة فهي تبعد مسافة نصف يوم عن الجبال التي تنتج البن ومسافة يوم ونصف عن مرفأ حديدة ومسافة أربعة أيام عن المخا وأربعة أيام ونصف عن مخيّة وستة أيام عن صنعاء . وفي بيت الفقيه تقوم أكبر تجارة للبن على صعيد اليمن كلها وربما على صعيد العالم بأسره . تجتذب هذه التجارة إلى المدينة تجارا من الحجاز ومصر وسوريا والقسطنطينية وفارس والمغرب والحبشة والساحل الشرقي في شبه الجزيرة العرب وبلاد فارس وبلاد الهند وحتى أوروبا . ومن سكان هذه المدينة هناك وثنيون من الهند وغالبية من الديو
( Diu )
. يتمتع هؤلاء بحرية ممارسة دينهم علنا لكن يمنع عليهم حرق موتاهم وإحضار نسائهم معهم إلى اليمن ؛ ومن هنا نجدهم يسرعون إلى العودة إلى بلادهم ما إن يجمعوا بعض المال . وفي أيامنا كان في المدينة أكثر من 120 من البانيان والراسبوت منهم التجار الأثرياء والحرفيون البارعون . ليست مدينة الفقيه بالمدينة القديمة لأن عمرها بعض القرون مثل مخيّة . ويعود أصلها إلى شيخ شهير يعتبره العرب في تهامة فقيها لذا فإن اسمها أي بيت الفقيه يعود إليه . يدعى هذا العربي أحمد بن موسى ولا يزال ضريحه قائما إلى اليوم داخل مسجد مبني على تلة رملية خارج المدينة . وحتى اليوم يحتفل به الشعب مرة كل سنة في شهر ربيع الأول . وفي السنوات الأولى كان المؤمنون يشيدون منازلهم حول ضريح فقيههم . ثم مع تدهور الحركة في مرفأ غلفقة ، تدهور حال التجارة فيها كما في زبيد وبدأت تزدهر في مدن أخرى منها بيت الفقيه . وبعد أن كبرت هذه المدينة لدرجة أن سيّد الولاية قرر أن يشيّد فيها قلعة ، اختار مكانا يسهل فيه جلب المياه لكن ذلك كلفه عناء كبيرا . فمن دون ذلك لما كانت القلعة شديدة الأهمية . ولا شك