تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
وتقع مدينة لحية في مكان مجدب ، وقاحل ، وفي بعض الأحيان على جزيرة ، لأن الأرض منخفضة نحو الشمال حتى أن الرياح الجنوبية حين تعصف لوقت طويل ، وتعلو المياه ، يغطي المدّ هذا الجزء من المدينة ، وقلما يحدث هذا خلال عام واحد . وهي على خط عرض 15 ؟ ، 42 ؟ ، وعلى بعد فرسخين و 39 دقيقة و 14 ثانية على خط الطول إلى الشرق من باريس . وهو المرفأ الأكثر إلى الجنوب في المناطق الخاضعة للإمام ، لكن حالته سيئة إذ إنّ المراكب الصغيرة التي تقصده تضطر للرسو على مسافة بعيدة من المدينة ، حيث الجزر فلا تستطيع القوارب الصغيرة الاقتراب منه . وتبقى التجارة الأولى في هذه المدينة هي البن الذي ينتزعون بزوره ويبيعونه . ولا يضاهي هذا البن جودة بن بيت الفقيه الذي يتم نقله عبر مخا وحديدة ، وهو أرخص ثمنا ، ولا تعتبر كلفة نقله إلى جدة عالية نظرا إلى أن المسافة التي تفصل المنطقتين ليست بكبيرة . ولهذا السبب ، نجد تجّارا من القاهرة يقيمون في لحية ويشترون البن لأصحاب عملهم أو أصدقائهم في جدة ، ومصر وتركيا ، كما يقصد الكثير من أبناء القاهرة لحية سنويا لشراء البن لحسابهم الخاص . ويقيم حوالي 40 بنيانيا في المدينة ، لكن غالبيتهم من الحرفيين الفقراء أو من الخدم لدى من يتبعون الديانة نفسها . وبالرغم من أن مخيّة غير محاطة بالأسوار ، فهي ليست بالمدينة المفتوحة كليا ، إذ نجد فيها 12 برجا من جهة اليابسة ، يبعد الواحد منها عن الآخر 120 خطوة مزدوجة ، وتشبه هذه الأبراج أبراج المراقبة القديمة في ألمانيا ، فأبوابها مرتفعة لا يمكن ولوجها من دون الاستعانة بسلّم . ويقيم الجنود ، الذين يشكّلون حامية المدن التركية ، قرب الأبواب أو في المدينة نفسها ، ونجد حراسا في كل برج من أبراج لحية تقريبا . وكان معظم جنود المدينة يجلسون في الفيء في أسفل الأبراج ، يدخنّون النرجيلة ويشربون الكيشر ( وهو شراب يحضّر من سنفة البن ) ، لكن رؤيتي في هذا المكان المنعزل أثارت انتباههم . وجدير بالذكر أن تسجيل الخطوط والزوايا في طرف كهذا يشكل خطرا عليّ في تركيا وفي أوروبا ، لكني لم أكن أخشى شيئا بين العرب ، حتى أن الضابط المسؤول دعاني للجلوس بينهم ، ومشاركتهم بما قدموه لي من اهتمام ، وسألني عن كيفية بناء الحصون في أوروبا ، فضلا عن طريقة خوض الحروب ، الخ . واستمعوا إليّ باستغراب وأنا أقص عليهم أخبار أوروبا ، وعرضت عليهم اختراع الكتابة من دون حبر ( بقلم ) ، وأخذت أسجل أمامهم الخطوط والزوايا من دون أن يرتابوا بالأمر ، حتى أنهم نادوا رفاقهم في الأبراج القريبة ليروا الغرائب التي رأوها . وهكذا ، رسمت خارطة مدينة لحية ومحيطها على اللوحة
( LX )
، فيما حملت اللوحة
( LXI )
منظرا عاما للمدينة . بنيت غالبية هذه الأبراج بطريقة تمكّنهم من الدفاع عنها بالسلاح الأبيض . أما البرج ، الذي أمر الأمير فرحان ببنائه فجهّز لوضع مدافع فيه ، ونجد قرب البرج الخامس مبنى فيه بعض الأسلحة . ونشاهد أمام البرجين الرابع والخامس حفرة في الصخر . وتعتبر هذه التحصينات غير مجدية ، حتى أن عرب حاشد ،
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 256 | كارستن نيبور