الثمانين ، في حين أن معارفه يعتقدون أنه قارب التسعين . وتوطدت الصداقة بيننا حتى أنه دعانا مرارا لزيارته وقدّم لنا أفخر القهوة والتبغ والمربى ، ولم يتزوج يوما وفقا للأصول لكنه يتبجح بأنه غرر بعدد من الجواري ( 88 إن لم أكن مخطئا ) ، وأنه باعهن فيما بعد ، أو تزوجهن ، أو أعتقهن . وقال لنا إنه يملك ، منذ بضع سنوات ، جاريتين شابتين وجميلتين وأنه يتمنى أن يفعل بهما ما فعل بسالفاتهما وبعدها يموت عن طيب خاطر ، ووعد طبيبنا بهدية قيّمة إن مكّنه ، بفضل علمه ، من تحقيق رغبته . وكنا قد تعرفنا على تاجر ثري في جدة ، زرناه غالبا ، يعاني المشكلة نفسها ، وكان في العقد الخامس ، ويملك منزلا في مكة يقصده لبضعة أشهر ، لكن من دون طيب خاطر ، إذ يملك فيه جاريتين جميلتين تسعيان دوما لتأجيج نار حبه لكن خيبته تجعله حزينا ، فقدّم لطبيبنا مئة ريال إن استطاع مساعدته ليشفي غليله مرّة واحدة . ولفرط ما تناول من أدوية وصفها له الأطباء الإنكليز لم يتمكن السيد كرامر من مساعدته « * » . لكن أعود لوصف مدينة لحية : بنيت هذه المدينة منذ حوالي 300 عام ، على يد وليّ مسلم ، يدعى الشيخ صالح
( S lei )
، ويعتبر اليوم شفيع هذه المدينة لأن عرب تهامة من أصل السنّة ويجلّون كثيرا هؤلاء الأولياء المزعومين بالرغم من أن دينهم يحرّم تقديسهم . بنى هذا الشيخ لنفسه كوخا على شاطىء البحر ، خارج لحية ، في المكان الذي نجد فيه اليوم ضريحه ، وعاش فيه متنسكا . وبعد موته ، تمّ بناء قبّة فوق قبره ، ومع الأيام ، تمّ تكبيرها ، وتجميلها ، واعتبارها وقفا : وبما أن المسلمين المؤمنين يتوقعون أن يباركهم الله في هذه الدنيا وفي الآخرة ، إذا ما أقاموا وماتوا في جوار هذا المزار ، بنوا لهم بيوتا في محيطه . وفي ذاك الوقت ، كان حاكم الإقليم يقيم في مرابع
( Mar bea )
، وهي مدينة صغيرة ، على بعد ميل إلى الشمال من لحيّة ، لكن حالة مرفئها ازدادت سوءا ، فهجرت المدينة ، وتوسعت لحية ، وأضحت فيما بعد مكان إقامة صاحب الدولة . وأشير هنا إلى أن ذريّة أولياء السنّة في التهامة يتمتعون بمكانة ذرية محمد في العالم الإسلامي كله إنما بقدر أقلّ ، ويطلق عليهم لقب شيخ ، كما يطلق على سلالة محمد لقب ، شريف ، وسيّد ، وأمير ومولى ، ويعتقد الناس أن التقوى وحب الفضيلة من شيم هؤلاء أكثر من عامة الشعب . ويتمتع زعماء العائلات هذه بهيبة واحترام بين الناس لأنهم ولدوا رجال دين ، لذا لا يستغرب أن يشيدوا بقداستهم ، ويحاولوا أن يجعلوا من أنفسهم قديسين . ويعتبر ابن الشيخ صالح المدفون في مور
( Mo ? r )
، وابنه الآخر المدفون في بهاس
( Bah s )
شفيعي هذين المكانين .
هامش
( * ) تضع نساء مخيّة ، عندما يخرجن إلى الشارع ، خمارا كبيرا يغطين به وجوههن فبالكاد نرى إحدى عينيهن . لكنهن لسن متشددات كفاية فهن قد تنسين أحيانا إسدال الستارة لا سيّما حين تظن الواحدة منهن أنها جميلة وأنها تستطيع كشف وجهها وكأن شيئا لم يكن . رسم السيد بورنفايند إحدى نساء لحية ، وقد نقشت على وجهها بعض الزينة باللون الأسود وصف شبه الجزيرة العربية ، ورسمت حاجبيها بالسواد ، ووضعت حلقات عدة في معصميها ، وقرطين في أذنيها ، وعقدا من اللؤلؤ المزيف حول جيدها . . . راجعوا اللوحة( LIX ). لكن هذه الصورة تحمل مغالطة واحدة وهي أن كمّي القميص ينبغي أن يكونا بنفس العرض من أعلاهما وحتى آخرهما .