الأوروبي قدر المستطاع ، أثارت الطاولة والمقاعد والصحون والملاعق والسكاكين والشوك استغرابه . وطرح بعض الأسئلة وأعطى ملاحظات جدية حول عاداتنا ، ولما ضحكنا من بساطته ، خرج خجلا ، لكن صديقه نجح في العودة معه مرات عدة . ويقدم العرب اللحم مقطعا ، فرأى على مائدتنا فراريج مشوية كاملة ، وكنا قد أكثرنا من الطعام برأيه ، فظنّ أن علينا التوقف عن الأكل ، إنما حين رأى السيد دي هافن يتحضر لتقطيع فروج آخر ، شده من ذراعه وسأله عن الكمية التي ينوي التهامها ، وأثار سؤاله ضحكنا ، فخرج الرجل بسرعة ولم يتمكن صديقه من اللحاق به . وتمنى علينا هذا الأخير ألّا نستاء من قلة التهذيب التي أظهرها رفيقه لشدة بساطته وانسحب بدوره . لا بد أن هذا العربي سيروي في موطنه الأخبار عن غرائب عادات الأوروبيين ، وسيستمع إليه الجميع بحماسة كما يستمع الأوروبيون لأولئك الذين يروون مغامراتهم المزعومة في بلاد بعيدة .
واستمتعنا بإقامتنا في المخيّة ، حتى طاب لي وللسيد بورنفند أن نعزف على كمانينا عند المساء كثنائي .
مما جعل جيراننا والمارة يظنون أننا موسيقيون . وطلب منا تاجر عجوز ، سمع بأخبار موسيقانا ، أن نزوره ونحضر معنا القيان ، لكننا رفضنا لعلمنا أن الموسيقيين لا يتمتعون بالمكانة والاحترام اللازمين بين العرب .
ودفعت الحشرية لرؤية الأوروبيين هذا العجوز ، الذي لم يكن قادرا على السير ، إلى الطلب من خدمه بأن يضعوه على حماره ، وأن يسندوه كي يتمكن من زيارتنا . وكان الرجل مهذبا للغاية وأكّد لنا أنه لا يكره المسيحيين ، وأن ديانته لا تسمح له بذلك لأن الله خلق الناس أجمعين ويتقبّل الديانات كلها ، وأنه يفضّل المسيحيين على أولئك الذين يتبعون ديانات غريبة ، وذكر لنا حديثا من الصحيح يقول فيه محمد إنه يمكن أن تأمن جانب المسيحي أكثر من اليهودي . وبعد تناول مواضيع متعددة ، تحوّل الحديث إلى الموسيقى ، وأعرب العجوز عن رغبته برؤية آلاتنا ، وبسماعنا نعزف عليها ، فقمنا بعزف بعض المقطوعات الهادئة التي تعجب الشرقيين وإن كانوا لا يتذوقون موسيقانا . وسرّ العجوز كثيرا ، وأراد إعطاء كل واحد منا نصف درهم لدى مغادرته ، ولا يردّ العرب عامة أيّة هدية مهما كانت صغيرة ، لذا فاجأ رفضنا للمال العجوز الذي كان يعتقد أن ما من أحد يتكبّد مشقة تعلّم العزف إلّا لكسب المال ، وأننا نحتاج لبعض المساعدة لأننا نصرف الكثير من دون أن نكسب من تجارة ما .
وكان هذا التاجر من القلائل الذين رأيت لحاهم مصبوغة باللون الأحمر ، ولم يذكر لي أي سبب لذلك سوى أنّ اللحية الحمراء أجمل من اللحية البيضاء ، في حين يرى الآخرون أنه يحاول إخفاء تقدمه بالسن . واستنتجت من ذلك أن العاقلين بين العرب لا يوافقون على عادة صبغ اللحية باللون الأحمر ، ولا حظت في هذا المناسبة ، وفي مناسبات أخرى ، أن المسلمين لا يكترثون أبدا لسنّهم . وحين نستعلم عن أعمارهم يجيبون أنهم ولدوا حين كان فلان أو فلان في الحكم أو أنهم كانوا فتيانا حين وقع هذا الحدث أو ذاك ، لكن تاجرنا هذا أوضح الأمور أكثر ، فهو يعلم أنه في السبعين من عمره ولا يظن أنه تجاوز
رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 253
مساهمون: كارستن نيبور
ص٢٥٣