تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة إلى شبه الجزيرة العربية — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
لاستخدامهما إذا ما توقف المركب لأيام في المدينة . وكنّا نرتدي ثيابا طويلة ، وقد أرخيت والسيد فورسكال لحيتنا ، وكان الأمير قد عاشر الكثير من الإفرنج في مخا ، لكنه لم يرحب يوما بهذا المظهر ، كما لم يسمع يوما بأوروبيين يقصدون اليمن عبر الخليج العربي ، وعرف النصارى ورآهم يرتدون ثيابا طويلة كما هي العادة في الشرق . وسألنا إن كنا نصارى أم افرنج ، فأجبنا أننا ندين بالنصرانية وأننا من أوروبا ، لأننا نعلم أن المسلمين ينظرون إلى المسيحيين نظرة أفضل من تلك التي ينظرونها إلى من يتبع الديانات الأخرى ، ولم نكن ندري إن كانوا يعتبرون الأوروبيين وثنيين . سلّمنا الأمير الرسالة واستقدم كاتب التاجر محسن لاستلام الرسالة لأنّ هذا الأخير مريض ، ولقراءة الفقرة التي تعنينا للحاكم . ولم يعرف الحاكم ، حتى هذا اليوم ، من الأوروبيين سوى التجار الذين تدفعهم تجارتهم نحو اليمن . وبعد قراءة الرسائل ، تبين له أن أحدنا طبيب ، والآخر يبحث عن النبات والثالث يهتم بالنجوم ، الخ . وأننا لا نحمل معنا أية بضائع تدفعنا إلى استعجال وصولنا إلى المخا ، فطلب منا أن نبقى في لحية لبعض الوقت ، ووعدنا بنقلنا إلى المخا على إبله . ورجانا التاجر ، الذي كان بأمس الحاجة لطبيب ، أن نأتي لزيارته ، وقدم لنا أحد منازله للإقامة فيه ، ولم نكن نتوقع عروضات كهذه من العرب . لكن ، لنخفي هدف رحلتنا الأساسي وأعني رؤية أكبر عدد ممكن من المدن والسفر برا في اليمن ، تحججنا بخوفنا من أن تندلع الحرب بين الشيخ مركامي وشريف أبي عريش فتمنعنا بالتالي من السفر بأمان في البلاد . عندها ، أكد لنا الأمير ، أن لا خوف علينا في لحية ، وأنه بإمكاننا السفر بكل أمان على كافة أراضي الإمام ، سيده . ثم عرض لنا صعوبات السفر بحرا مع الرياح المعاكسة التي تسيطر خلال هذا الفصل في محيط مكرم ، وأضاف أن السفر برا أكثر راحة ، وباختصار ، فإن أفضل نصيحة يسديها لنا هي أن نغادر المركب . وسعدنا للقائنا مسلمين أكثر تحضرا كلما ابتعدنا عن مصر ، لا سيّما وأن سكان هذا البلد ، الذي نسعى لزيارته وإجراء دراسات فيه ، عاملونا بأدب وتهذيب . وبما أن الفرصة تسنت لنا لزيارة هذه المنطقة من شبه الجزيرة العربية ، من دون أن نثير الشك ، بأننا نود الانتقال إلى اليابسة ، لم نتردد في ترك المركب . ودخلنا المدينة لرؤية المنزل الذي خصّصه التاجر لإقامتنا . ولم يطلب الريّس منا أن ندفع كلفة الرحلة كاملة سلفا ، كما يفعل الذين يملكون قوارب بين القاهرة والسويس ، فخشي ألّا ندفع له الكلفة الكاملة حتى الحديدة ، ورجا الأمير ، كما قيل لنا لاحقا ، ألا يدعنا نسافر أو أن يجبرنا على دفع أجره كاملا ، فوعده هذا الأمير بدفع المبلغ إن نحن تخلفنا عن ذلك ، لكن الريّس لم يرض بالجواب ، فتوجه إلى التاجر محسن الذي عرض عليه أن يضمننا . وفي الواقع ، لم نكلف هذين السيدين هذا العناء ، لكن بدا لي عرض هذين المسلمين كريما للغاية ، فبالكاد تلاقي بعثة عربية هذه المعاملة في أوروبا . وما إن قررنا نقل متاعنا إلى اليابسة ، حتى أمر الأمير طاقم مركبه بجلبها ، ولم يرض بأن يكلفنا أيّ شيء سوى الإكراميات المعتادة للبحارة ، وكي لا نتعرض لأي إشكال مع موظفي الجمارك أو الحمّالين ،