دراسات هندسية كانت لتعرضني للخطر . وكان السيد فورسكال الوحيد الذي ابتعد أكثر من بئر طور ، ولم يجد في بلاد النصارى سوى كاهن واحد ، أكرمه في منزله وأرسل معه مرافقين حتى اليم المزعومة حيث رأى العديد من الحدائق المزروعة بالنخيل والتي يملك جزءا منها الروم والجزء الأخير المسلمون . وقد أثار غيابه الطويل تساؤل العرب ، وأعلموا بعض الانكشاريين من القاهرة ، فقرروا البحث عن الإفرنجي الذي نزل إلى البرّ لرسم جبالهم ، وسارعوا إلى بلاد النصارى ، وصادفوا السيد فورسكال وهو عائد من الحدائق فأعادوه إلى السفينة على الفور وبكل أمان . هل نجد الكثير من المسيحيين الذين يتكبدون مشقة قطع نصف فرسخ لإنقاذ يهودي لا يعرفونه من خطر محدق ؟ لم أكن أتوقع هذه الشهامة وهذا الكرم من المسلمين بشكل عام ومن الانكشاريين بشكل خاص . لكن هؤلاء كانوا من التجار الذين اعتادوا التعامل مع الأمم الأجنبية ، فظنوا أن من واجبهم حمايتنا ، كأجانب نبحث عن أمننا بينهم .
وفي الرابع عشر من تشرين الأول / أكتوبر ، خرجنا من مرفأ طور بعد أن هبّت رياح رملية ، وتوجهنا نحو الجنوب أولا ، ثم نحو الجنوب الشرقي وذلك بين أرصفة المرجان . وبعد الظهر رسونا قرب رأس محمد أو رأس محمود كما يقول البعض ، على عمق 10 باعات . وبعد قياس ارتفاع نجمتين ، تبين لي أننا على خط عرض 27 ؟ ، 54 ؟ ، تقريبا ، علما أن الأفق لم يكن صافيا كليا ، لكن هذه الملاحظة دقيقة بما يكفي لتصحيح الخرائط البحرية . لا حظت أن البحر أعرض هنا منه قرب طور ، ويمتد الشاطئ أبعد نحو الجنوب ثم نحو الشرق حيث نجد الخليج الثاني للبحر الأحمر والذي يمتد حتى العقبة . وحتى الآن ، لم نبحر سوى قرب اليابسة ، ورسونا كل ليلة ، لكن بين رأس محمد وشاطىء شبه الجزيرة العربية ، اضطررنا للإبحار في عرض البحر لأيام وليال عدة . وسيعتبر كل أوروبي هذه الطريق آمن من الطريق بين السويس وجدة في غياب الأرصفة المرجانية والصخور ، لكن المسلمين ، الذين لم يعد باستطاعتهم رؤية اليابسة ، اعتبروها خطرة ، وكانوا يفضلون على الأرجح لو مررنا من رأس محمد إلى جزيرة تيران
( Tyr n )
ومنها إلى شواطئ شبه الجزيرة العربية ، لكن الرياح كانت مؤاتية لنا للسفر في طريق مستقيم . وبقيت الرياح شمالية إلى شمالية غربية فتمكنا من التوجه نحو المرفأ الذي نصبو إليه .
في 15 تشرين الأول / أكتوبر وعند الظهر ، كنا على خط عرض 27 ؟ ، 29 ؟ ، وكنا قد مررنا صباحا أمام جزيرة سفن البحر
( Saf ni el Bahhr )
، وكانت جزيرة شدوان
( Schedu n )
مباشرة إلى الغرب على بعد 4 أميال ، وبالتالي على خط العرض نفسه . وكانت جزيرة تيران الواقعة أمام بحر العقبة إلى الشمال الشرقي على بعد حوالي 5 أميال ( استنتجت ذلك من تغييرات البوصلة ) وعلى خط عرض 27 ؟ ، 43 ؟ .
وعند غياب الشمس ، كانت الشواطىء المصرية لا تزال بادية أما شبه الجزيرة العربية فغابت عن أنظارنا .
ثم في 16 من الشهر نفسه ، وعند الظهر ، كنا على خط عرض 26 ؟ ، 9 ؟ ، أما عند المغيب فأصبحنا على خط عرض 25 ؟ ، 54 ؟ ، وشاهدنا على الشاطئ المصري جبال الزمرد التي تحدث عنها الكتّاب