السفينة محملا بالأشخاص والبضائع فقط ، إنما علّق العديد من الطرود الخفيفة على جوانب السفينة الخارجية . ولا تقوم هذه السفن إلا برحلة واحدة سنويا بين السويس وجدة ، لذا أظهر البحارة عدم مهارة ، وافتقروا إلى المساحة اللازمة للعمل ، فعند ما ينبغي طوي الأشرعة ، كانوا ينزلون السارية ، وكان البحّارة ، وهم بغالبيتهم من اليونان ، يضطرون أحيانا إلى الدوس على بضائع التجار ، فتنشب الخلافات بين الطرفين . ولقد كان ريس سفينتنا ، - ويدعى شريب
( Schoreibe )
- تاجرا من القاهرة ، وغير خبير بقيادة السفن لذا أوكل الأمر لربانيه اللذين بقيا على مقدمة السفينة للتنبه بنفسهما للصخور الناتئة في المحيط .
وأظن أنهما أكثر مهارة وانتباها من الربابنة الأوروبيين الذين يبحرون دوما في عرض البحر ، لأنهما تمكنا من الانتقال من السويس إلى جدة قرابة الشاطئ وعبر الأرصفة البحرية المتعددة . أما مراكب الإنقاذ فغير موضوعة على سطح السفينة كما في أوروبا بل معلقة وراءها ، وكان مركبنا الذي يتسع لأربعين أو خمسة وأربعين مدفعا ، يحمل أربعة مراكب ، يرفع أكبرها شراعا . أما المراكب الباقية فتجرها السفينة ، ونجد فيها كلها باستثناء أصغرها ، مسافرين وجيادا وخرافا ، ونساء من العامة يقصدن مكة لنيل لقب حاجة أو للبحث عن الثروة خلال الرحلة . ولحسن الحظ ، يهب الهواء باستمرار على الخليج العربي ، وإلا لما أبحر فيه أحد ، بعد كل ما ذكرته .
ولو أننا أبحرنا على متن مركب أوروبي ، لما اضطررنا إلى الصعود إليه أولا ، لكن بما أننا كنا نعرف أن سطح سفينتنا كان سيمتلىء بالصناديق والطرود ، ركبنا في 5 تشرين الأول / أكتوبر ، كي لا نحتك بالمسلمين الذين سنمر أمامهم محملين بمتاعنا . وكنا قد دفعنا كلفة السفر من السويس إلى جدة سلفا ، ما إن اتفقنا مع قائد السفينة ، كما أعطينا البحارة بعض المال قبل أن ينقلوا أغراضنا إلى متن السفينة ، وفاجأنا ذلك ، فاضطررنا للخضوع لعادات البلاد . ونجد في الشرق ، كما في أوروبا ، مسافرين يعدون البحارة بمكافآت عظيمة ، ولا يعطونهم شيئا في نهاية المطاف ، لذا يطالب بحارة السويس بالدفع سلفا ، وحين يصلون إلى جدة ، يغادر المسافرون السفينة من دون أن يسألوهم مزيدا من المال .
في 6 و 7 من الشهر نفسه ، صعد التجار إلى متن السفينة . وفي ذاك اليوم ، وعند الظهر ، قست ارتفاع الشمس ، ووجدت أن سفينتنا في مرسى السويس تقع على خط عرض 29 ؟ ، 55 ؟ ، ويبلغ ارتفاع المياه أربع باعات ونصف الباع . ولم يركب الريّس إلا في 8 تشرين الأول / أكتوبر ، أما الأمر الوحيد الذي بقي يؤخر إبحارنا فهو عادة حاكم السويس بتفحص كافة السفن التي توشك على الإبحار للتأكد من أنها غير محمّلة كثيرا ، أو على الأرجح ليجمع المال بفضل هذه المهمة الموكلة إليه ، وهذا ما فعله في التاسع من الشهر نفسه قبل الظهر . وما إن غادر حتى أبحرت قافلتنا المؤلفة من أربعة مراكب ، ودارت ساعة ونصف للتأكد من أنها محملة كما يجب ، بعدها ، رسونا في مكان يبلغ عمق المياه فيه 14 باعا ، وتم نقل البضائع من جهة إلى أخرى في كل مركب ، استنادا إلى رأي الريّس بغية تسهيل الملاحة .
وبغياب الصخور البارزة بين السويس وجيروندل
( Girondel )
، أبحرت السفن الأربع في 10 تشرين