الرحلة من السويس إلى جدة
خلال رحلتنا إلى طور سيناء ، وصلت إلى السويس قوافل عديدة صغيرة ، فمعظم التجار والحجاج الذين يريدون الذهاب إلى جدة بحرا ، لا يغادرون القاهرة إلا قبل إبحار السفن بقليل ويشكّلون قافلة كبيرة .
ووصلت هذه القافلة في 29 أيلول / سبتمبر ، وأصبحت مدينة السويس فجأة أكثر ازدحاما من القاهرة مقارنة مع حجمها . وإن لم نسمع بقراصنة في الخليج العربي . يفضّل السفر ضمن قوافل ، وكان ينبغي أن تبحر أربع سفن في آن واحد ، ربما كي تعظم القوافل الآتية من القاهرة إلى السويس فتتمكن من مواجهة العرب ، وربما خوفا من البدو في محيط طور الذين نهبوا مركبا رسا وحيدا في المرفأ ، كما ذكرت آنفا .
لكن المسافرين كلهم حجزوا أماكن معينة لهم على المراكب ، وكان بعض تجار القاهرة قد زودونا برسائل توصية لريّسين ، فتفحصنا مركبيهما ، وحجزنا لنا وحدنا الغرفة العليا في المركب الأكبر ، كي نتبعد عن المسلمين حين نود البقاء في معزل عنهم . وبالرغم من أننا سافرنا من قبل مع مسلمين بحرا وبرا ، وبالتالي اعتدنا عليهم ، لم نشعر قط بخوف كخوفنا من هذه الرحلة بين السويس وجدة ، لأننا كنا لا نزال نعتقد أن المسلمين يعتبرون المسيحيين غير جديرين بالقيام بهذه الرحلة التي يعتبرونها مقدسة . وأكد لنا اليونان أننا سنمنع من انتعال الأحذية على المركب للسبب نفسه ، وهذا بالفعل ما تمّ إعلامنا به ما إن غادرنا غرفتنا . ولا أظن أن السبب يعود إلى أن المسلمين يعتبرون الرحلة مقدسة بل لأنهم ينظرون إلى سطح السفينة كله كشقة لذا يخلع الجميع حذاءه . ونجد على المركب العديد من الحجاج البسطاء الذين ينظرون شزرا إلى المسيحيين ، شأنهم في ذلك شأن راهب من الفرنسيسكان يصادف في طريقه إلى القدس ملحدين أو مشككين . وحين لاحظ بعض المسلمين خوفنا ، استفادوا من الوضع على حسابنا ، كما يفعل المسيحيون مع اليهود ، وهم يعلمون أن هؤلاء لن يتجرؤوا على الرد ، ونادرا ما يدافع عنهم العقلاء من المسيحيين ، طالما أن الأمر لا يتعدى السخرية . إذا ، لم نكن مرتاحين خلال الرحلة ، لكن لحسن الحظ كان لدينا غرفتنا الخاصة التي لا يدخلها أحد من دون إذننا ، واستطعت أن أقوم فيها بدراساتي الفلكية من دون أن أتعرض للإزعاج . وبالرغم من أن وجهتنا هي الجنوب ، كنا نبحر معظم الوقت نحو الشرق إذ تمكنت من رؤية الشمس في الهاجرة بسهولة من على متن السفينة ، وعندما ترسو كانت مؤخرة السفينة تتجه نحو الجنوب بسبب الرياح الشمالية المستمرة .
ولقد كانت سفينتنا محمّلة للغاية ، وكان هناك في الغرفة السفلى والأكبر من غرفتنا ما يفوق الأربعين امرأة وجارية مع أولادهن . وأقام قبالة غرفتنا خصي أسود ثري ، كان متجها إلى المدينة ، وكان يملك كالأسياد الأتراك حريمه الخاص . وأحاط كل تاجر المكان الذي حجزه على ظهر السفينة بالصناديق والطرود ، فلم يبق له سوى مكان ضيق يغلي فيه قهوته ويحضّر نرجيلته ، وينام فيه . ولم يكن سطح