متن :
المقام الثاني في الشبهة الغير المحصورة و المعروف فيها : عدم وجوب الاجتناب .
و يدلّ عليه وجوه :
الأوّل :
الإجماع الظاهر المصرّح به في الروض و عن جامع المقاصد ، و ادّعاه صريحا المحقّق البهبهاني في فوائده - و زاد عليه نفي الرّيب فيه ، و أنّ مدار المسلمين في الأعصار و الأمصار عليه - و تبعه في دعوى الإجماع غير واحد ممّن تأخّر عنه ، و زاد بعضهم دعوى الضرورة عليه في الجملة ، و بالجملة : فنقل الإجماع مستفيض ، و هو كاف في المسألة .
الثّاني :
ما استدلّ به جماعة : من لزوم المشقّة في الاجتناب . و لعلّ المراد به لزومه في أغلب أفراد هذه الشبهة لأغلب أفراد المكلّفين ، فيشمله عموم قوله تعالى :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ،
و قوله تعالى :
ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ،
بناء على أنّ المراد أنّ ما كان الغالب فيه الحرج على الغالب فهو مرتفع عن جميع المكلّفين حتّى من لا حرج بالنسبة إليه .
و هذا المعنى و إن كان خلاف الظاهر ، إلّا أنّه يتعيّن الحمل عليه ، بمعونة ما ورد : من إناطة الأحكام الشرعيّة الكليّة - وجودا و عدما - بالعسر و اليسر الغالبين .
و في هذا الاستدلال نظر ، لأنّ أدلّة نفي العسر و الحرج من الآيات و الرّوايات لا تدل إلّا على أنّ ما كان فيه ضيق على مكلّف فهو مرتفع عنه ، و أمّا ارتفاع ما كان ضيقا على الأكثر عمّن هو عليه في غاية السهولة ، فليس فيه امتنان على أحد ، بل فيه تفويت مصلحة التكليف من غير تداركها بالتسهيل .
و أمّا ما ورد : من دوران الأحكام مدار السهولة على الأغلب ، فلا ينفع فيما نحن فيه ، لأنّ الشبهة الغير المحصورة ليست واقعة واحدة حكم فيها به حكم حتّى يدعى أنّ الحكم بالاحتياط في أغلب مواردها عسر على أغلب الناس ، فيرتفع حكم الاحتياط فيها مطلقا ، بل هي عنوان لموضوعات متعدّدة لأحكام متعدّدة ، و المقتضي للاحتياط في كلّ موضوع هو نفس الدليل الخاص التحريمي الموجود في ذلك الموضوع ، و المفروض أنّ ثبوت التحريم لذلك الموضوع مسلّم ، و لا يرد منه حرج على الأغلب ، و أنّ الاجتناب في صورة اشتباهه أيضا في غاية اليسر ، فأيّ مدخل