وأخيرا ريع « 1 » الشهداء . إن الطبيعة قاسية هنا على الرغم من انتشار البساتين ، وإن ميزتها العامة هي القحط ؛ إذ لا نجد فيها قطرة ماء واحدة . إذا احتكمنا إلى الصعود الصعب الذي واجهنا في جبل كرا ، والذي يتلوه نزول قصير وسهل ، فإن الطائف مرتفعة جدا عن سطح البحر « 2 » . وكان عليّ فيها أن أحترس من البرد ، بعد أن عانيت من الحر الشديد في جدة قبل ثلاثة أسابيع .
اشتق اسم الطائف في العربية من « الطواف » ، وهناك بخصوص هذا الاشتقاق حكاية محلية فيها بعض الاختلاط ، وقد رويت لي في الساحة ، وأعترف أنني نسيتها « 3 » . ويروى أن النبي محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا لم يلق آذانا صاغية في مكة المكرمة جاء إلى الطائف يدعو أهلها للإيمان به ، ولكنه لم يجد فيها من يصغي إليه أيضا ؛ بل قام أهلها بطرده وسخروا منه ، وهددوه ، ووجد نفسه مضطرا للعودة مسرعا إلى مسقط رأسه « 4 » . يسكن الطائف بدو قبيلة
هامش
( 1 ) الرّيع : الممر المرتفع بين جبلين ، وأسهل منه الثنية ، وأسهل من ذلك كله الفج ، ولم يذكر جغرافيونا القدماء ريعا وجعلوا كل الريعة ثنايا ، رغم أن الريع من الفصحى وقد نص عليه القرآن الكريم ، « أتبنون بكلّ ريع آية تعبثون الشعراء ( 128 ) » ، معجم معالم الحجاز ، ج 4 ، ص 115 .
( 2 ) ترتفع الطائف عن سطح البحر 1550 مترا .
( 3 ) قال العجيمي في كتابه : إهداء اللطائف من أخبار الطائف ، ط 2 ، دار ثقيف للنشر والتأليف ، 1400 ه / 1980 م تحقيق يحيى محمود ساعاتي ( بن جنيد ) ، ص 35 - 36 : « . . . سميت به لأنها طافت على الماء في الطوفان ، أو لأن جبريل عليه السلام ، طاف بها على البيت ، أو لأنها كانت بالشام فنقلها اللّه تعالى إلى الحجاز بدعوة إبراهيم عليه السّلام ، أو لأن رجلا من الصدف أصاب دما بحضرموت ففر إلى وج وخالف مسعود بن متعب بن مالك بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف ، وكان له مال عظيم فقال : هل لكم في أن أبني طوفا عليكم يكون لك ردءا من العرب ؟
فقالوا : نعم . فبناه ، وهو الحائط المطاف به » . وانظر المحقق رقم ( 14 ) في ص 36 .
وانظر ما قاله الدكتور آل كمال في تعقبه د . آل زلفة .
( 4 ) انظر : إهداء اللطائف من أخبار الطائف ، موثق سابقا ، ص 49 ، وانظر سيرة ابن هشام 1 / 420 .