فيا شوقاه لحسن « الجركسيّة » وحلاوة « الرّكنيّة » ، ويالهفاه على « جامع الأفرم » و « النّاصريّة » « 1 » ، تغيّرت تلك المعاهد ، وغلّقت أبواب تلك المساجد والمعابد . إنّا للّه وإنا إليه راجعون . إنّ هذا لهو البلاء الجسيم ، فلا حول ولا قوّة إلا باللّه العلي العظيم .
وبالصّالحية نهران فيها يجريان : « ثورا » و « يزيد » ، وكم عليهما من غرفة وقصر مشيد . يحكى عن ابن الصّائغ الحنفي ، أنه لما قدم من القاهرة إلى دمشق المحروسة نزل في « الجسر الأبيض » عند الأمير مجير الدّين بن تميم ، ونهر ثورا يمرّ بداره المأنوسة ، فأجلسه على جانب النهر لأجل برد الهواء ، فرأى شمس الدّين ابن الصّائغ ما يمرّ من الفواكه على وجه الماء وصار يتناول ويأكل ما استطاب ويضع قدّامه منه ما أعجبه ، ثم التفت لابن تميم وقال له : أنت يغنيك هذا النّهر عن شراء الفاكهة بفيض فضله العميم . وأنشده في الحال ارتجالا :
يقول وقد رأى ثورا خليلي * يفيض بسائر الثّمرات فيضا
أيكفيكم فلا تشرون شيئا ؟ * فقلت : نعم ، ونبيع أيضا
فقال ابن الصّائغ : وهذه الفاكهة أليس يرميها في النهر أرباب الغيطان ؟
قال له ابن تميم : إنما هذه من اشتباك الأشجار وانحنائها عليه ، فيلقيها النسيم عندما تشتبك الأغصان ، وأما البساتنة فإنهم يضعون فواكه مجموعة على أبواب البساتين ، كالزّكاة لمن يمرّ بها ويحتاج إلى شيء فيأخذه من الفقراء والمساكين .
وأخبرت في القديم أن بعض الفقراء يضع مكتله على رأسه ويسرح في طرق البساتين ، فيعود وقد امتلأ مكتله مما يسقط من الأثمار ، من غير أن يتناول بيده شيئا . وفي البساتين من يزرع أشجارا للفقراء يعرفونها بالتّكرار ، وغالبا ما يزرع من ذلك على الطرقات ليقرب تناولها . انتهى .
هامش
( 1 ) لا زال جامع الأفرم قائما إلى اليوم بعد نقله وتجديده ، أما دار الحديث النّاصرية فزالت في مطلع القرن العشرين ( انظر صورتها ) وكان موقعها عند وزارة الخارجية في أيامنا . يذكر الشيخ دهمان أنه حتى أواسط القرن كان موضعها بستان يعرف بالنّاصريّة .