تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 477

مساهمون:

ص٤٧٧
وجبلاها متقابلان متلاقيان عليها ، الجبل الغربي بذيله « دفّ الزّعفران » ، والجبل الشرقي رأسه مثل الجنك « 1 » . ولهذا أطنب الشعراء في وصفهما . وقال الشيخ جمال الدّين محمد بن نباتة في وصفهما :
بالجنك من مغنى دمشق حمائم * في دفّ أشجار تشوق بلطفها فإذا أشار لها الشّجيّ بكأسه * غنّت عليه بجنكها وبدفّها
وطلع الشيخ شمس الدّين محمد بن الخياط الشهير بضفدع مع ابن خلّكان إلى الرّبوة ، فوجدا غلمانا يعومون ويلعبون في نهر « ثورا » الذي تحت التّخوت المعروف بالمنيقبة « 2 » ، فأنشد ضفدع قوله :
لربوتنا واد حوى كلّ بهجة * فعيش الورى يحلو لديه ويعذب ترقّ لنا الأنهار من تحت جنكه * فلا عجب أنا نخوض ونلعب
هامش
( 1 ) الكلمة فارسية : چنك ، تعني نوعا من آلات الموسيقى أشبه بالقيثارة ، ولشبه رأس الجبل بها سمّي بهذا الاسم ، لكنه انقرض من بين ألسنة العامّة منذ عهد طويل . ( 2 ) يقدّم لنا البدري هنا فائدة هامّة في الطبوغرافيا التاريخية لمدينة دمشق ، فاسم المنيقبة المذكور كان يشكّل لغزا استغلق على الحلّ مدّة طويلة . فقد ذكر المؤرخ الدمشقي يوسف بن عبد الهادي في أواخر القرن التاسع الهجري برسالته « غدق الأفكار في ذكر الأنهار » : نهر ثورا . . مقسمه من الرّبوة . . . يهبط في نقب يقال له [ . . . ] . ولقد سقط من المخطوطة اسم النّقب بسبب تآكل أطراف الأوراق ، فبقي اسمه مجهولا . وكنت أمضيت في التفتيش عن اسمه طويلا ، إلى أن أسعفني به البدري أخيرا . وكان الرّحالة الكبير ابن بطوطة الطّنجي قد وصف النّقب في رحلتيه لدمشق كما مرّ أدناه بكتابنا هذا ، عامي 726 ه و 749 ه ، ولكن دون أن يسمّيه : وهو يشقّ تحت الرّبوة ، وقد نحت له مجرى في الحجر الصّلد كالغار الكبير . كما عثرت أيضا على ذكر للمنيقبة في أواسط القرن التاسع الهجري ، كما تقدّم أدناه في كتاب « خريدة العجائب وفريدة الغرائب » لابن الوردي ، ص 181 - 182 ؛ وكذلك في النصف الأول من القرن العاشر الهجري في كتاب « مفاكهة الخلّان في حوادث الزمان » لابن طولون الصالحي ( 1 : 320 ) حيث يذكر : قطع ماء نهر المنيقبة . ويفهم من كلامه أن اسم المنيقبة كان يطلق في عصره على مجرى نهر ثورا بعد أن يهبط من النّقب المذكور . وهو فائض ماء ثورا يضمّ لبردى . هذا ، ولا زال النّقب المذكور ماثلا في أيامنا ، على المنكب الأيمن لصخرة المنشار بالرّبوة ( الشهيرة اليوم بصخرة أذكريني ) ، وتحته « حالول الطاقة » .