وفي يوم السبت خامس عشرين المحرّم ، خلع الخليفة المستعين باللّه الملك النّاصر فرج من السّلطنة ، واتّفق الأمراء على إقامة الخليفة المستعين باللّه المذكور في السّلطنة « 1 » ، لتستقيم بسلطنته الأحوال وتنفذ الكلمة وتجتمع النّاس على سلطان .
وثبت خلع الملك النّاصر على القضاة ، وأجمعوا على إقامة الخليفة سلطانا ، فامتنع الخليفة عن ذلك غاية الامتناع ، وخاف ألا يتمّ له ذلك فيهلك ، وصمّم على الامتناع ، وخاف من الملك النّاصر خوفا شديدا . فلمّا عجز عنه الأمراء دبّروا عليه حيلة ، وطلبوا الأمير ناصر الدّين محمد بن مبارك شاه الطّازي - وهو أخو الخليفة المستعين باللّه لأمّه - وندبوه بأن يركب ومعه ورقة تتضمّن مثالب السّلطان النّاصر ومعايبه ، وأن الخليفة قد خلعه من الملك وعزله من السّلطنة ، ولا يحلّ لأحد معاونته ولا مساعدته .
فلمّا بلغ الخليفة ذلك ، لام أخاه ناصر الدّين بن مبارك شاه المذكور على ذلك ، وأيس الخليفة عند ذلك من انصلاح الملك النّاصر له ، فأذعن لهم حينئذ بأن يتسلطن ، فبايعوه بأجمعهم ، وحلفوا له بالأيمان المغلّظة والعهود على الوفاء له ، وعلى القيام بنصرته ولزوم طاعته .
وتمّ أمره على ما يأتي ذكره في أوائل ترجمته من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى « 2 » .
* * *
هامش
( 1 ) كانت هذه حيلة ناجحة من الأميرين الثائرين شيخ ونوروز ، بيد أن مقصدهما بها كان التلاعب بالخليفة العبّاسي واستخدامه كذريعة للقضاء على مقاومة أتباع الملك النّاصر .
ثم بمجرّد أن تمّ لهما ذلك وخلع النّاصر وقتل في 16 صفر سنة 815 ه ، تعيّن الأمير شيخ المحمودي نائبا للملك بدمشق - في سلطنة الخليفة المستعين - في 8 ربيع الأول ، ثم سرعان ما تمرّد على الخليفة دون أن يخلعه ، وحبسه في القلعة وجلس على سرير الملك في شهر شعبان وتلقّب بالملك المؤيّد . الأنكى من ذلك ، أنه انقلب عدوا لرفيقه في السّلاح نوروز وعاد إليه في عام 817 ه بحملة عسكرية فأمسك به بحيلة غادرة ( كما كانا فعلا تماما بحقّ النّاصر ) وقتله ، كما سنذكر أدناه عن ابن تغري بردي .
( 2 ) ذكر ابن تغري ذلك في النجوم الزّاهرة ، 13 : 189 .