فعندما رآهم الملك النّاصر فرج قام إليهم فزعا ، وعرف فيما جاؤوا ، ودافع عن نفسه وضرب أحد الرّجلين بالمدوّرة صرعه ، ثم قام الرّجل هو ورفيقه ومشوا عليه وبأيديهم السّكاكين ، ولا زالوا يضربونه بالسّكاكين المذكورة ، وهو يعاركهم بيديه وليس عنده ما يدفع عن نفسه به ، حتى صرعاه بعد ما أثخنا جراحه في خمس مواضع من بدنه . وتقدّم إليه بعض صبيان المشاعليّة فخنقه وقام عنه ، فتحرّك الملك النّاصر ، فعاد إليه وخنقه وفرى أوداجه بخنجر كان معه ، وسلبه ما عليه من الثياب . ثم سحب برجليه حتى ألقي على مزبلة مرتفعة من الأرض تحت السّماء ، وهو عاري البدن ، يستر عورته وبعض فخذيه سراويله ، وعيناه مفتوحتان ، والنّاس تمرّ به ما بين أمير وفقير ومملوك وحرّ ، قد صرف اللّه قلوبهم عن دفنه ومواراته « 1 » . وبقيت الغلمان والعبيد والأوباش تعبث بلحيته وبدنه .
واستمرّ على المزبلة المذكورة طول نهار السبت المذكور ، فلمّا كان الليل من ليلة الأحد حمله بعض أهل دمشق وغسّله وكفّنه ، ودفنه بمقبرة باب الفراديس احتسابا للّه تعالى ، بموضع يعرف بمرج الدّحداح « 2 » ، ولم تكن جنازته مشهودة ، ولا عرف من تولّى غسله ومواراته « 3 » .
( النّجوم الزّاهرة ، 13 : 142 - 148 )
* * *
هامش
( 1 ) في فقرة تالية ينتقد المؤلف بشدّة هذه الأفعال الدّالة على قلّة مروءة أعداء النّاصر ، وأن للموت حرمته وللملوك حرمتهم أيضا . ولا شك أنه أصاب في مقالته ، برغم أن أملاك أبيه وإرثه ضاعت بالكامل عليه وعلى إخوته بسبب مصادرة النّاصر لها .
( 2 ) ما تزال تربة مرج الدّحداح معروفة إلى اليوم بدمشق ، بظاهر باب الفراديس ، لكن قبر النّاصر بالطبع درس منذ زمن بعيد ولا يعرف له موقع .
( 3 ) يروي ابن تغري بردي بعد ذلك أن الملك النّاصر فرج مات وله من العمر 24 سنة ، وكان صفته شابا معتدل القامة ، أشقر ، له لثغة في لسانه بالسّين ، غير أنه كان أفرس ملوك التّرك بعد الملك الأشرف خليل بن قلاوون بلا مدافعة .