تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
ثم أحضر السّلطان الأموال وصبّها بين يديه ، فأشار عليه دمرداش بالخروج إلى حلب فلم يوافقه ، وأبى إلا الإقامة في دمشق ، فأشار عليه ثانيا بالعود إلى الدّيار المصرية فلم يرض وأقام بدمشق . وكان رأي دمرداش فيه غاية الجودة ، فإن جميع أمراء التّركمان كانت مع الملك النّاصر ، مثل قرايلك وابن قرمان وبني دلغادر وغيرهم ، فحبّب إليه الإقامة بدمشق لأمر سبق في القدم . ولمّا أخرج السّلطان الأموال أتاه النّاس من كل فجّ من التّركمان والعربان والعشير « 1 » وغيرهم ، فكتب أسماءهم وأنفق عليهم وقوّاهم بالسّلاح ، وأنزل كل طائفة منهم بموضع يحفظه ، فكان عدّة من استخدمه من المشاة زيادة على ألف رجل . وحصّن القلعة بالمناجيق والمدافع الكبار ، وجعل بين كل شرّافتين من شرّافات سور المدينة جنويّة « 2 » ، ومن ورائها الرّماة بالسّهام الخلنج والأسهم الخطّائية « 3 » ، ونصب على كل برج من أبراج السّور شيطانيا « 4 » يرمى به الحجارة . وأتقن تحصين القلعة بحيث أنه لم يبق سبيل للتوصّل إليها بوجه من الوجوه . ثم خلع على نكباي الحاجب بنيابة حماة ، ثم ركب قاضي القضاة جلال الدّين البلقيني ، ومعه بقيّة قضاة مصر ودمشق وجماعة من أرباب الدّولة ، ونودي بين أيديهم عن لسان السّلطان أنه « قد أبطل المكوس وأزال المظالم ، فادعوا له » . فعظم ميل الشّاميين إليه وتعصّبوا له ، وصار غالبهم من حزبه ، وغنّوا عن لسانه :
« أنا سلطان ابن سلطان وأنت يا شيخ أمير »
هامش
( 1 ) عبارة العشير يقصد بها أبناء عشائر البدو ، لكن يبدو أنها كانت في ذلك العصر تستعمل بمعنى الفرق غير النّظامية من المرتزقة القادمين من أرياف الشام . ( 2 ) بحثنا مليّا عن معنى الجنويّة ، فلم نجد سوى ما أورده المقريزي في السّلوك ( 1 : 757 ، 840 ، 1164 ) من أنها النقّالة أو المركب التي تنقل الجرحي . ولكن المعنى لا يستقيم بها ولا بدّ أن تكون نوعا من الأسلحة الشائعة آنذاك ، نسبة إلى جمهورية جنوة الإيطالية . ( 3 ) الأسهم الخطّائية : هي سهام عظيمة يرمي بها عن قسيّ عظام توتّر بلولب يجرّ بها ويرمي عنها ، فتكاد تخرق الحجر . انظر : صبح الأعشى للقلقشندي ، 2 : 144 . ( 4 ) يبدو أن هذا نوع من المجانيق ، أما لماذا سمّي شيطانيا فالعلم عند اللّه .