ثمّ صرفني وودّعني على أحسن حال ، ورجعت إلى مصر ، وكان طلب مني بغلة « 1 » كنت أركبها فأعطيته إيّاها ، وسألني البيع فتأفّفت منه لما كان يعامل به من الجميل . فبعد انصرافي إلى مصر بعث إلى بثمنها مع رسول كان من جهة السّلطان هنالك ، وحمدت اللّه تعالى على الخلاص من ورطات الدّنيا .
* * * وهؤلاء الطّطر هم الذين خرجوا من المفازة وراء النّهر ، بينه وبين الصين ، أعوام عشرين وستمائة مع ملكهم الشهير جنگز خان ، وملك المشرق كلّه من أيدي السّلجوقيّة ومواليهم إلى عراق العرب ، وقسم الملك بين ثلاثة من بنيه ، وهم : جقطاي ، وطولى « 2 » ، ودوشي خان .
فجقطاي كبيرهم ، وكان في قسمته تركستان وكاشغر والصّاغون والشّاش وفرغانة ، وسائر ما وراء النّهر من البلاد . وطولى كان في قسمته أعمال خراسان وعراق العجم والرّيّ إلى عراق العرب ، وبلاد فارس وسجستان والسّند ، وكان أبناؤه : قبلاي وهولاگو . ودوشي خان كان في قسمته بلاد قبجق « 3 » ، ومنه صراي ، وبلاد التّرك إلى خوارزم .
وكان لهم أخ رابع يسمّى أو كداي « 4 » كبيرهم ، ويسمّونه الخان ، ومعناه صاحب التّخت ، وهو بمثابة الخليفة في ملك الإسلام . وانقرض عقبه ، وانتقلت الخانيّة إلى قبلاي ، ثم إلى دوشي خان أصحاب صراي .
هامش
( 1 ) الجميل في مؤرّخنا العظيم ابن خلدون أنه لا ينسى ذكر حديث البغلة ، ويغفل بالكلّيّة ذكر مصيبة أهل الشام الذين رزحوا تحت اضطهاد تيمور لنك وتنكيله . لكن غاية الأمر لديه أنه يحمد اللّه على خلاصه - هو - من ورطات الدّنيا ! فما شأنه بالذين ماتوا والذين عذّبوا والذين لاقوا ويلات الطاغية ، الذي يشيد بحسن استقباله له ؟ !
( 2 ) لا يستغربنّ القارئ تشكيلنا الكلمة بلام مضمومة تليها ألف مقصورة ، ففي فرع اللغات الألطائية ( وكانت تكتب بالحرف العربي نقلا عن الإيرانيين ) ترسم حروف العلّة الأخيرة كلها بألف مقصورة . ونطق الاسم المذكور : طولوTolu، ومعناه البدر .
( 3 ) في التّركية :Kapcak.
( 4 ) في التركية :Oktay.