فقلت : حال الغربة أنستني ما أريد ، وعساك - أيّدك اللّه - أن تعرف لي ما أريد . فقال : انتقل من المدينة إلى الأردو « 1 » عندي ، وأنا إن شاء اللّه أوفي كنه قصدك . فقلت : يأمر لي بذلك نائبك شاه ملك ، فأشار إليه بإمضاء ذلك .
فشكرت ودعوت وقلت : وبقيت لي أخرى ، فقال : وما هي ؟ فقلت :
هؤلاء المخلّفون عن سلطان مصر من القرّاء والموقّعين والدّواوين والعمّال ، صاروا إلى إيالتك ، والملك لا يغفل مثل هؤلاء ، فسلطانكم كبير وعمالاتكم متّسعة وحاجة ملككم إلى المتصرّفين في صنوف الخدم أشدّ من حاجة غيركم .
فقال : وما تريد لهم ؟ قلت : مكتوب أمان يستنيمون إليه ويعوّلون في أحوالهم عليه . فقال لكاتبه : اكتب لهم بذلك . فشكرت ودعوت ، وخرجت مع الكاتب حتى كتب لي مكتوب الأمان ، وختمه شاه ملك بخاتم السّلطان ، وانصرفت إلى منزلي .
* * * ولمّا قرب سفره واعتزم على الرحيل عن الشام ، دخلت عليه ذات يوم ، فلمّا قضينا المعتاد ، التفت إليّ وقال : عندك بغلة هنا ؟ قلت : نعم . قال :
حسنة ؟ قلت : نعم ، قال : وتبيعها ؟ فأنا أشتريها منك . فقلت : أيّدك اللّه ! مثلي لا يبيع من مثلك ، إنما أنا أخدمك بها وبأمثالها لو كانت لي . فقال : إنما أردت أن أكافئك عنها بالإحسان . فقلت : وهل بقي إحسان وراء ما أحسنت به ؟ اصطنعتني وأحللتني من مجلسك محلّ خواصّك ، وقابلتني من الكرامة والخير بما أرجو اللّه أن يقابلك بمثله . وسكت وسكتّ ، وحملت البغلة - وأنا معه في المجلس - إليه ، ولم أرها بعد .
ثم دخلت عليه يوما آخر فقال لي : أتسافر إلى مصر ؟ فقلت : أيّدك اللّه ، رغبتني إنما هي أنت وأنت قد آويت وكفلت ، فإن كان السّفر إلى مصر في خدمتك فنعم ، وإلا فلا بغية لي فيه . فقال : لا بل تسافر إلى عيالك وأهلك .
هامش
( 1 ) الكلمة تركية :ordu، وتعني الجيش أو المعسكر .