واستمرّ ملك الطّطر في هذه الدّول الثلاث ، وملك هولاكو بغداد وعراق العرب إلى ديار بكر ونهر الفرات ، ثم زحف إلى الشام وملكها ، ورجع عنها « 1 » .
وزحف إليها بنوه مرارا ، وملوك مصر من التّرك يدافعونهم عنها ، إلى أن انقرض ملك بني هولاكو أعوام أربعين وسبعمائة ، وملك بعدهم الشيخ حسن النّوين وبنوه ، وافترق ملكهم في طوائف من أهل دولتهم ، وارتفعت نقمتهم عن ملوك الشام ومصر .
ثمّ في أعوام السّبعين أو الثمانين وسبعمائة ، ظهر في بني جقطاي وراء النّهر أمير اسمه تيمور ، وشهرته عند النّاس تمر ، وهو كافل لصبيّ متّصل النّسب معه إلى جقطاي في آباء كلّهم ملوك . وهذا تمر بن طرغاي هو ابن عمّهم ، كفل صاحب التّخت منهم اسمه محمود ، وتزوّج أمّه صرغتمش ، ومدّ يده إلى ممالك التّتر كلّها ، فاستولى عليها إلى ديار بكر ، ثم جال في بلاد الرّوم والهند ، وعاثت عساكره في نواحيها ، وخرّب حصونها ومدنها ، في أخبار يطول شرحها .
ثم زحف بعد ذلك إلى الشام ، ففعل به ما فعل ، واللّه غالب على أمره .
ثم رجع أخيرا إلى بلاده ، والأخبار تتّصل بأنه قصد سمرقند ، وهي كرسيّه .
* * * والقوم في عدد لا يسعه الإحصاء ، إن قدّرت ألف ألف « 2 » فغير كثير ، ولا تقول أنقص ، وإن خيّموا في الأرض ملأوا السّاح ، وإن سارت كتائبهم في الأرض العريضة ضاق بهم الفضاء ، وهم في الغارة والنّهب والفتك بأهل العمران وابتلائهم بأنواع العذاب ، على ما يحصّلونه من فئاتهم ، آية عجب ، وعلى عادة بوادي الأعراب .
هامش
( 1 ) حول ذلك راجع ما تقدّم أعلاه من نصّ المملوك الأشرفي الصارم أزبك في مطلع الكتاب ، وفيها روايات وتفاصيل شيّقة جديدة تنشر للمرّة الأولى .
( 2 ) في لغة عصرنا مليون جندي ، عدد كبير للغاية لا قبل به لأية مدينة آنذاك . لكن المؤسف أن جيش المماليك الذي كان آنذاك أفضل جيش في العالم من حيث تدريبه وتعبئته القتالية هزم جيش تيمورلنك على أبواب دمشق ، ثم قرّر النّاصر فرج سحبه إلى مصر .