فالتفت إلى ابنه ، وكان مسافرا إلى شقحب لمرباع دوابه ، واشتغل يحادثه .
فقال لي الفقيه عبد الجبّار الذي كان يترجم بيننا : إن السّلطان يوصي ابنه بك ، فدعوت له « 1 » . ثم رأيت أن السفر مع ابنه غير مستبين الوجهة ، والسّفر إلى صفد أقرب السواحل إلينا أملك لأمري . فقلت له ذلك ، فأجاب إليه وأوصى بي قاصدا كان عنده من حاجب صفد ابن الدّويداري « 2 » ، فوادعته وانصرفت .
واختلفت الطريق مع ذلك القاصد ، فذهب عني وذهبت عنه ، وسافرت في جمع من أصحابي ، فاعترضتنا جماعة من العشير قطعوا علينا الطريق ونهبوا ما معنا ، ونجونا إلى قرية هنالك عرايا ، واتّصلنا بعد يومين أو ثلاث بالصّبيبة فخلفنا بعض الملبوس ، وأجزنا إلى صفد فأقمنا بها أياما . ثم مرّ بنا مركب من مراكب ابن عثمان سلطان بلاد الرّوم ، وصل فيه رسول كان سفر إليه عن سلطان مصر ورجع بجوار رسالته ، فركبت معهم البحر إلى غزّة ، ونزلت بها وسافرت منها إلى مصر ، فوصلتها في شعبان من هذه السنة وهي سنة ثلاث وثمانمائة .
هامش
( 1 ) ذكر ابن قاضي شهبة في تاريخه ( حوادث سنة 803 ه ) وجها آخر للرّواية نقلا عن شاهد عيان : « وفي مستهلّ شعبان وصل إلى القاهرة وليّ الدّين ابن خلدون المالكي ، والقاضي صدر الدّين ابن العجمي كاتب الدّست ، والقاضي سعد الدّين ابن القاضي شرف الدّين أيضا ، وكانوا من جملة المنقطعين بالشام ، وكان القاضي ابن خلدون قد خرج مع القضاة من دمشق إلى تمرلنك ، ولمّا عرفه عظّمه كثيرا ، وسأله أن يكتب له مدن المغرب والمفاوز بها ، وأسماء قبائل العرب بها . فلمّا قرئت عليه بالأعجمي أعجبته وقال :
صنّفت أخبار المغرب فقط ؟ فقال : لا ، أخبار الشرق والغرب وأسماء الملوك ، وقد كتبت ترجمتك وأريد أقرأها عليك ، فما كان منها صحيحا تركته ، وما كان غير صحيح أصلحته . فأذن له ، فقرأ نسبته ، فقال : من أين عرفته ؟ فقال : سألت عنه التجّار الثّقاة الواردين . ثم قرأ فتوحاته وأحواله وابتداء أمره ومنام( Sic . )رآه والده ، فأعجبه ذلك كثيرا ، فقال : تهيّأ حتى تذهب معي إلى بلادي ، فقال له : في مصر من يحبّني وأحبّه ، ولا بدّ لك من قصد مصر في هذه المرّة أو في غيرها ، وأنا أذهب وأهيّء أمري وأذهب في خدمتك . فأذن له في الذّهاب إلى مصر وأن يستصحب معه من شاء . هكذا حكى لي القاضي شهاب الدّين بن العزّ ، وأنه كان حاضرا لبعض ذلك » .
( 2 ) في عجائب المقدور لابن عربشاه ( ص 113 ) : وكان في صفد تاجر من أهل البلاد أجدّ الرؤساء والتجّار ، يدعى علاء الدّين وينسب إلى دوادار ، كانت تقدّمت له خدمة على السّلطان ، فولّاه حجابة ذلك المكان .