تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
وانصرفت إلى بيتي داخل المدينة بعد أن استأذنته في ذلك فأذن فيه ، وأقمت في كسر البيت ، واشتغلت بما طلب مني في وصف بلاد المغرب ، فكتبته في أيام قليلة ، ورفعته إليه فأخذه من يدي ، وأمر موقّعه بترجمته إلى اللسان المغلي . ثم اشتدّ في حصار القلعة « 1 » ، ونصب عليها الآلات من المجانيق والنّفوط والعرّادات والنقب ، فنصبوا لأيّام قليلة ستين منجنيقا إلى ما يشاكلها من الآلات الأخرى ، وضاق الحصار بأهل القلعة ، وتهدم بناؤها من كل جهة ، فطلبوا الأمان . وكان بها جماعة من خدّام السّلطان ومخلّفه ، فأمّنهم السّلطان تمر وحضروا عنده ، وخرّب القلعة وطمس معالمها « 2 » . وصادر أهل البلد على قناطر من الأموال استولى عليها ، بعد أن أخذ جميع ما خلّفه صاحب مصر هنالك من الأموال والظّهر والخيام ، ثم أطلق أيدي النهّابة على بيوت أهل المدينة ، فاستوعبوا أناسيها وأمتعتها ، وأضرموا النار فيما بقي من سقط الأقمشة والخرثي ، فاتّصلت النار بحيطان الدّور المدعّمة بالخشب ، فلم تزل تتوقّد إلى أن اتّصلت بالجامع الأعظم ، وارتفعت إلى سقفه فسال رصاصه وتهدّمت سقفه وحوائطه « 3 » ، وكان أمرا بلغ مبالغه في الشّناعة والقبح ، وتصاريف الأمور بيد اللّه يفعل في خلقه ما يريد ، ويحكم في ملكه ما يشاء « 4 » .
هامش
( 1 ) لماذا لم يعلّق ابن خلدون بكلمة واحدة على نقض تيمور لنك لعهوده بالأمان للمدينة ؟ هل اكتفى بنجاته شخصيا ، ولتذهب المدينة بمن حوت ؟ وددنا لو أنه حاول ولو بكلمة واحدة أن يفعل شيئا ! فأين منه همّة ذاك البطل الكبير صارم الدّين أزبك . ( 2 ) لذلك يلاحظ الرائي اليوم أن قلعة دمشق ، التي كان بناها الملك العادل أبو بكر محمد ابن أيوب ( أخو السّلطان النّاصر صلاح الدّين ) خلال 15 عاما 599 - 614 ه ، لم يبق من بنائها الأصلي القديم إلا الواجهة الشرقية الواقعة في قلب المدينة قرب باب الفرج ، وبها كتابات ونقوش أيوبيّة جميلة جدا . أما واجهتاها الغربية والشمالية فلم يبق من بنائهما الأيوبي القديم شيء بعد أن هدمها الطاغية تيمورلنك . ( 3 ) انظر ما سيلي في نصّ الأمير تغري بردي الأتابكي حول فظائع المغول بدمشق . ( 4 ) هذا كل ما كلّف الرّجل خاطره بذكر فاجعة دمشق ! ثم بعد ذلك يذكر قدوم رجل من أعقاب بني العبّاس إلى تيمور لنك ، مطالبا بدعمه للوصول إلى منصب الخلافة ، وبعد مناظرات مع الفقهاء والقضاة ظهر بطلان دعواه فردّه .