فرجع إليّ وقال : ومن أيّ الطوائف هو بختنصّر ؟ فقلت : بين الناس فيه خلاف ، فقيل من النّبط « 1 » بقيّة ملوك بابل ، وقيل من الفرس الأولى ، فقال :
يعني من ولد منوشهر . قلت : نعم ، هكذا ذكروا ، فقال : ومنوشهر له علينا ولادة من قبل الأمّهات . ثمّ أفضت مع التّرجمان في تعظيم هذا القول منه ، وقلت له : وهذا ممّا يحملني على تمنّي لقائه .
فقال الملك : وأيّ القولين أرجح عندك فيه ؟ فقلت : إنه من بقيّة ملوك بابل . فذهب هو إلى ترجيح القول الآخر . فقلت : يعكّر علينا رأي الطّبري ، فإنه مؤرّخ الأمّة ومحدّثهم ، ولا يرجحه غيره . فقال : وما علينا من الطّبري ؟
نحضر كتب التاريخ للعرب والعجم ، ونناظرك . فقلت : وأنا أيضا أناظر على رأي الطّبري .
وانتهى بنا القول ، فسكتّ . وجاء الخبر بفتح المدينة ، وخروج القضاة وفاء بما زعموا من الطاعة التي بذل لهم فيها الأمان ، فرفع من بين أيدينا ، لما في ركبته من الداء ، وحمل على فرسه فقبض شكائمه واستوى في مركبه ، وضربت الآلات حفافيه حتى ارتجّ لها الجو ، وسار نحو دمشق ، ونزل في تربة منجك « 2 » عند باب الجابية ، فجلس هناك ودخل إليه القضاة وأعيان البلد ، ودخلت في جملتهم ، فأشار إليهم بالانصراف وإلى شاه ملك نائبه أن يخلع عليهم في وظائفهم ، وأشار إلي بالجلوس ، فجلست بين يديه .
ثم استدعى أمراء دولته القائمين على أمر البناء ، فأحضروا عرفاء البنيان المهندسين ، وتناظروا في إذهاب الماء الدائر بحفير القلعة لعلّهم يعثرون بالصّناعة على منفذه ، فتناظروا في مجلسه طويلا ، ثم انصرفوا .
هامش
( 1 ) تعبير النّبط بالمصطلح العربي القديم يقصد به كافّة الشعوب السّاميّة الشرقيّة الكلدانية التي تتحدّث وتكتب بهجات كلدان ( أم الفرع الشرقي ) ، كالآشوريين والبابليّين والآراميّين .
( 2 ) نائب الشام منجك اليوسفي ( وليها 759 ه ثم 770 - 775 ه ) دفن عام 776 ه بالقاهرة ، لكن المقصود هنا حتما تربة ابنه فرج قبلي مدرسة أفريدون العجمي بالسّويقة ، وكانت له دار فخمة ( النّجوم الزاهرة ، 13 : 119 ) . ولذريّة منجك تربة بالجزماتية في الميدان .