تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
واستطردت إلى ( باب البريد ) « 1 » ، فوجدت خيول الماء الجارية قد انقطعت عن تلك المراكز ، ونظرت إلى السّراج الأكبر وقد انعقد لسانه لما شعر من ممدوح الماء بعدم تلك الجوائز . ونظرت إلى أهل الصّلاة وعليهم في هذه الواقعة من الصّبر دروع ، وقد استعدّوا بسهام من الأدعية أطلقوها على قسيّ الركوع .
مريّشة بالهدب من جفن ساهر * منصّلة أطرافها بدموع
ونظرت إلى الريّان من العلم وقد اشتدّ لفقد الماء ظماه ، وتبلّد ذهنه حتى صار ما يعرف من أين الطريق إلى باب المياه . ومشيت بحكم القضاء إلى ( الشّهود ) « 2 » فوجدت كلا منهم قد راجع سهاده وطلّق وسنه ، وتأمّلت أهل ( السّاعات ) وقد صار عليهم كل يوم بسنة ، ونزلت في ذلك الوقت من ( السّاعات ) إلى الدّرج في دقيقة ، فانتهيت إلى مجاز طريق ( الفوّار ) « 3 » فوجدته كأن لم يكن له حقيقة . كم وردته وهو كأنه سنان يطعن في صدر الظما ، أو كشجرة كدنا نقول إنها طوبى لمّا ظهرت وأصلها ثابت وفرعها في السّما ، أو مغترف بيده الماء وقد أفاض عليه عطاياه فيضا ، فرفع له لأجل ذلك فوق قناته راية بيضا ، أو عمود وفاء أشارت الناس إليه بالأصابع ، أو ملك طالب السماء بودائع ، حتى كأن إكليل الجوزاء له من جملة الودائع ، أو أبيض طائر علا حتى قلنا إنه يلتقط حبّات النجوم الثواقب ، أو شجاع ذو همّة عالية يحاول ثأرا عند بعض الكواكب ، فخفض لفقد الماء مناره وخفي بعد ما كان به أشهر من علم ، وجدع أنفه وطالما ظهر وفي عرنينه شمم ، فقلت :
هامش
( 1 ) تورية عن باب البريد ، وهو الباب الغربي للجامع الأموي المفضي إلى المسكيّة سابقا . ( 2 ) الشّهود تورية بمصاطب الشهود جنوبي الأموي ، أما باب السّاعات فتسمية كانت تطلق على باب جيرون الشرقي بالأموي ، وقبلها كانت تطلق على باب الزّيادة القبلي . ( 3 ) تقدّم ذكره ، فوّار باب جيرون إلى الشرق من الجامع الأموي ، يعرف اليوم بالنّوفرة .
دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 251 | أحمد ايبش