تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
لست أنسى الفوّار وهو ينادي * غيض مائي وعطّل الدّهر حالي فتمنّيت من لهيبي بأنّي * أشتري غيضه بروحي ومالي
فلا واللّه ما كانت إلّا أيسر مدّة حتى رجع الماء إلى مجاريه ، وابتسم ثغر ( دمشق ) عن شنب الريّ بعدما نشف ريقه في فيه . هذا وقد خمدت نار الحرب وقعدت بعد ما قامت على ساق وقدم ، وبطلت آلتها التي كان لها على تحريك الأوتار وجسّ العيدان نغم . واعتقل الرّمح بسجن السّلم وعلى رأسه لواء الحرب معقود ، وهجعت مقل السيوف في أجفانها لمّا علمت أن الزّيادة في الحدّ نقص في المحدود . وفاضت غدران الرّحمة على رياض الأمن فظهر لها من المسرّة نبات حسن ، فالحمد للّه الذي أذهب عنا الحزن . * * * وبعد ، فالمعذرة من فهاهة هذه الرسالة التي هي في رياض الأدب باقليّة ، والصّفح عن طولها وقصر بلاغتها بين يدي تلك المواقف السّحبانية ، وليكن محمولا على متن الحلم كلامها الموضوع ، فقد علم اللّه أنها صدرت من قلب مكسور وفؤاد مصدوع وذهن ضعيف ، وليس لكثير ضعفه عاصم ولا نافع ، وراحلة فكر أمست وهي عند سيرها إلى غايات المعاني ظالع :
فسيروا على سيري فإنّي ضعيفكم * وراحلتي بين الرّواحل ظالع
هذا وكم تولّد للمملوك في طريق الرّمل من عقله ، وكم ذاق من قطّاع الطريق أنكادا حتى ظن أنه لعدم النّصرة ليس له إلى الاجتماع من وصلة . وكلّما زعق عليه غراب البين تألّم لسهام البين وفقد مصر التي هي نعم الكنانة ، وأنشد وقد تحيّر في الرّمل لفراق ذلك التّخت الذي أعزّ اللّه سلطانه :
من زعقة الغراب بعد الملتقى * فارقت مصرا وبها أحبابي وفي طريق الرّمل صرت حائرا * مروّعا من زعقة الغراب