تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
واستقبل المملوك بعد ذلك بلاد الشّام ، فبئس الحال وبئس الاستقبال ، فو الرّحمن ما وصل بها إلى مكان إلّا وجده قد وقعت فيه الواقعة واشتدّ القتال ، وحصدوا سنبل الرّشاد فدرست فلا أعيد لمعيد حربهم دروس ، وأداروا رحى الحرب بقلوب كلأحجار فطحنت عند ذلك الرؤوس ، وأنشد لسان الحال :
من كلّ عاد كعاد في تجبّره * من فوق ذات عماد شادها إرم لا يجمعون على غير الحرام إذا * تجمّعوا كحباب الرّاح وانتظموا
وانتهت الغاية بالمملوك إلى أنه شلح بقرب ( الكسوة ) « 1 » في الشتاء ، وانتظرت ملك الموت وقد أمسيت :
لي مهجة في النازعات وعبرة * في المرسلات وفكرة في هل أتى
هذا ، والليل قد انطفأت مصابيح أنواره وعسعس ، حتى أيقنت بموت الصّبح وقلت لو كان في قيد الحياة تنفّس . فذهب المملوك وقد تزوّد عند قسم الغنيمة بسهم فجرح ولم يجد له تعديلا ، ولكنه صبر على الألم بعد ما كاد يدمي من الوهم ولم يلق له مجيرا ، لمّا قوي ألمه وضعف منه الحيل ، إلّا أنه دخل تحت ذيل الليل ، فوصل إلى البلد وقد ودّ يومه لو تبدّل بالأمس ، ولم يسلم له في رقعة الحرب غير الفرس والنّفس ، ولكنه أنشد :
ما تفعل الأعداء في جاهل * ما يفعل الجاهل في نفسه
فأعاذ اللّه مولانا وبلاده من هذه القيامة القائمة ، وبدأ به في الدنيا ببراعة الأمن ، وفي الآخرة بحسن الخاتمة . ( ثمرات الأوراق ، 381 - 395 ) * * *
هامش
( 1 ) قرية معروفة ( صارت بلدة ) ، إلى الجنوب من دمشق على طريق حوران .
دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 253 | أحمد ايبش