وتأمّلت تلك الألسن الجمرية ، وقد انطلقت في ثغور تلك الربوع تكلّم السكّان ، وتطاولت بألسنة الأسنّة الأتراك فانذهل أهل دمشق وقد كلّموا بكل لسان . ووصل المملوك بعد الفجر إلى البلد ، وقد تلا بعد زخرفه في سورة الدّخان ، فوجب أن أجرى الدموع على وجيب كل ربع ، وأنشد وقد دخل صبري بعد أن كان في خبر كان :
دمع جرى فقضى في الرّبع ما وجبا
ووقفت أندب عرصاتها التي قمحت بالبين فخابت من أهلها الظنون ، وكم داروا بقمحها خيفة من طاحون النّار فلم يسلم ، فصدّقت المثل بأن القمح يدور ويجيء إلى الطاحون .
وتطرّقت بعد ذلك إلى ( الحدّادين ) « 1 » وقد نادتهم النار بلسانها من مكان بعيد :
آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ .
وقد كان يوم حريقها يوما عبوسا قمطريرا ، أصبح المسلمون فيه من الخيفة وقد رأوا سلاسل وأغلالا وسعيرا .
هذا وكلّما أصليت نار الحريق وشبّت نار الحرب ، ذكرت ما أشار به مولانا على المملوك من الإقامة بمصر ، فأنشدت من شدّة الكرب « 2 » :
آها لمصر وأين مصر وكيف لي * بديار مصر مراتعا وملاعبا
والدّهر سلم كيفما حاولته * لا مثل دهري في دمشق محاربا
يا مولانا ، لقد لبست دمشق في هذا المأتم السواد ، وطبخت قلوب أهلها كما تقدّم على نارين وسلقوا من الأسنّة بألسنة حداد ، ولقد نشفت عيونهم من الحريق واستسقوا فلم ينشقوا رائحة الغادية ، وكم رئي في ذلك اليوم
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ * عامِلَةٌ ناصِبَةٌ * تَصْلى ناراً حامِيَةً .
هامش
( 1 ) من أسواق دمشق القديمة ، ذكره أواخر القرن التاسع للهجرة مؤرّخ دمشق يوسف بن عبد الهادي في رسالته « نزهة الرّفاق عن شرح حال الأسواق » .
( 2 ) البيتان لجمال الدّين ابن نباتة ، ديوانه ص 27 .