تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
وتصفّحت بعد ذلك فاتحة ( باب النّصر ) « 1 » ، فعوّذته بالإخلاص وزدت للّه شكرا وحمدا ، وتأمّلت أهل البلد وهم يتلون لأهل البلد في سورة الفتح وللمحاصرين :
وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ،
كم طلبوا فتحه فلم يجدوا لهم طاقة ،
فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ ، باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ .
ونظرت إلى ما ( تحت القلعة ) « 2 » من أسواق التجّار ، فوجدت كلا قد محت النّار آثاره ، وأهله يتلون :
قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ
فمنهم من شأنه على صاحبته وبنيه ، وآخر قد استغنى بشأن نفسه ، فهم كما قال اللّه :
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ،
فوقفت أنشد في تلك الأسواق وقد سعّرت : ألا موت يباع فأشتريه . ونظرت إلى المؤمنين الرّكّع السّجود ، وهم يتلون على من ترك في بيوتهم أخدودا من وقود النار وقعد لحربهم في ذلك اليوم المشهود :
قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ * وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ .
هذا وكم مؤمن قد خرج من دياره حذر الموت ، وهو يقول النجاة وطلب الفرار ، وكلّما دعاه قومه لمساعدتهم على الحريق ناداهم وقد عدم الاصطبار :
وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ .
ونظرت إلى ضواحي البلد وقد استدّت في وجوههم المذاهب ، وما لهم من الضيق مخرج ، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت لما غلق في وجوههم ( باب الفرج ) ، فقلت : اللهم اجعل لهم من كلّ همّ فرجا ومن كل ضيق مخرجا ولعدم أموالهم من كل عسر يسرا ، ولانهتاك مخدراتهم من كل فاحشة سترا ، ولقطع الماء عنهم إلى كل خير سبيل ، فأنت حسبنا ونعم الوكيل .
هامش
( 1 ) باب النصر كان من أبواب دمشق القديمة جنوبي القلعة ، عند مدخل سوق الحميدية . ( 2 ) تحت القلعة محلّة مشهورة في العهد المملوكي ، يفصّل بوصفها أبو البقاء البدري أدناه .