تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
وكم رجل تلا عند لهيب بيته :
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ ،
وخرج هاربا
وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ .
وشكا الناس من شدّة الوهج وهم في الشتاء ، وصاروا من هذا الأمر يتعجّبون ، فقال لهم لسان النّار : أتعجبون من الوهج والحريق وأنتم في كانون ؟ ولعمري لو عاش ابن نباتة ورأى هذه الحال وماتم على أهل دمشق في كانون ، لترك رثاء ولده عبد الرّحيم وقال :
يا لهف قلبي على وادي دمشق ويا * حزني عليه ويا شجوي ويا دائي في شهر كانون وافاه الحريق لقد * أحرقت بالنّار يا كانون أحشائي
ونظرت بعد ذلك إلى ( القلعة ) المحروسة ، وقد قامت قيامة حربها حتى قلنا :
أَزِفَتِ الْآزِفَةُ ،
وستروا بروجها من الطارق بتلك الستائر وهم يتلون :
لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ .
واستجليت عروس ( الطّارمة ) « 1 » عند زفّها ، وقد تجهّزت للحرب وما لها غير الأرواح مهر ، وعقدت على رأسها تلك العصائب وتوشّحت بتلك الطوارق وأدارت على معصمها الأبيض سوار النهر ، وغازلت بحواجب قسيّها فرمت القلوب من عيون مراميها بالنّبال ، وأهدت إلى العيون من مكاحل نارها أكحالا كانت السّهام لها أميال . وطلبها كلّ من الحاضرين وقد غلا دست الحرب ، وسمح وهو على فرسه بنفسه الغالية ، وراموا كشفها وهم في رقعة الأرض كأنهم لم يعلموا بأن ( الطارمة ) عالية . وتاللّه لقد حزنت لقوم لم يتدرّعوا بغير آية الحرس في الأسحار ، وقد استيقظوا لحمل قسيّهم ولم تنم أعينهم عن الأوتار ، فأعيذ رواسيها التي هي كالجبال الشّامخة ، بمن أسّس رواسي المحجوج ، وأحصّنها قلعة بالسّماء ذات البروج .
هامش
( 1 ) كانت هذه الطارمة من معالم دمشق في العهد المملوكي ، وهي بناء فخم كان ملحقا بالقلعة من خارجها ، بشكل قاعة خشبية أنيقة ذات شبابيك تعلوها قبّة من الخشب جميلة الصنعة يجلس بها السّلطان . سيرد ذكرها في نصّ أبي البقاء البدري أدناه .