تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
وهذه الرّبوة المباركة هي رأس بساتين دمشق وبها منابع مياهها ، وينقسم الماء الخارج منها على سبعة أنهار كل نهر آخذ في جهة ، ويعرف ذلك الموضع بالمقاسم . وأكبر هذه الأنهار النهر المسمّى بتورة ، وهو يشقّ تحت الرّبوة ، وقد نحت له مجرى في الحجر الصّلد كالغار الكبير « 1 » ، وربما انغمس ذو الجسارة من العوّامين في النهر من أعلى الرّبوة ، واندفع في الماء حتى يشقّ مجراه ويخرج من أسفل الرّبوة ، وهي مخاطرة عظيمة . وهذه الرّبوة تشرف على البساتين الدائرة بالبلد ، ولها من الحسن واتساع مسرح الأبصار ما ليس لسواها . وتلك الأنهار السبعة تذهب في طرق شتى فتحار الأعين في حسن اجتماعها وافتراقها واندفاعها وانصبابها . وجمال الرّبوة وحسنها التام أعظم من أن يحيط به الوصف . ولها الأوقاف الكثيرة من المزارع والبساتين والرباع تقام منها وظائفها للإمام والمؤذّن والصادر والوارد . وبأسفل الرّبوة قرية النّيرب ، وقد تكاثرت بساتينها ، وتكاثفت ظلالها ، وتدانت أشجارها ، فلا يظهر من بنائها إلا ما سما ارتفاعه . ولها حمّام مليح ، ولها جامع بديع مغروس صحنه بفصوص الرّخام ، وفيه سقاية ماء رائقة الحسن ، ومطهرة فيها بيوت عدة يجري فيها الماء . وفي القبلي من هذه القرية قرية المزّة ، وتعرف بمزة كلب نسبة إلى قبيلة كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة . وكانت إقطاعا لهم ، وإليها ينسب الإمام حافظ الدنيا جمال الدّين يوسف بن الزكيّ الكلبي المزّي ، وكثير سواه من العلماء ، وهي من أعظم قرى دمشق ، بها جامع كبير عجيب وسقاية معيّنة .
هامش
( 1 ) هذا النصّ منقول برمّته من رحلة ابن جبير الأندلسي ، الذي زار دمشق عام 580 ه في أيام السّلطان النّاصر صلاح الدّين . راجع رحلته أعلاه . أما عن الغار المذكور ( المنيقبة ) ، فتؤجّل البحث إلى نصّي ابن الوردي وأبي البقاء البدري أدناه .