حكاية
شاهدت أيام الطاعون الأعظم بدمشق في أواخر شهر ربيع الثاني ، سنة تسع وأربعين ، من تعظيم أهل دمشق لهذا المسجد ما يعجب منه : وهو أن ملك الأمراء نائب السّلطان أرغون شاه « 1 » ، أمر مناديا ينادي بدمشق أن يصوم الناس ثلاثة أيام ، ولا يطبخ أحد بالسوق ما يؤكل نهارا ، وأكثر الناس بها إنما يأكلون الطعام الذي يصنع بالسوق .
فصام الناس ثلاثة أيام متوالية ، كان آخرها يوم الخميس ، ثم اجتمع الأمراء والشّرفاء والقضاة والفقهاء وسائر الطبقات على اختلافها في الجامع حتى غصّ بهم ، وباتوا ليلة الجمعة به ما بين مصلّ وذاكر وداع .
ثم صلّوا الصبح وخرجوا جميعا على أقدامهم وبأيديهم المصاحف والأمراء حفاة ، وخرج جميع أهل البلد ذكورا وإناثا صغارا وكبارا ، وخرج اليهود بتوراتهم ، والنصارى بإنجيلهم ، ومعهم النساء والولدان وجميعهم باكون متضرّعون متوسلون إلى اللّه بكتبه وأنبيائه ، وقصدوا مسجد الأقدام .
وأقاموا في تضرعهم ودعائهم إلى قرب الزوال وعادوا إلى البلد ، فصلّوا الجمعة وخفّف اللّه تعالى عنهم ، فانتهى عدد الموتى إلى ألفين في اليوم الواحد ، وقد انتهى عددهم بالقاهرة ومصر إلى أربعة وعشرين ألفا في يوم واحد .
* * * وبالباب الشرقي من دمشق منارة بيضاء ، يقال إنها التي ينزل عيسى عليه السّلام عندها ، حسبما ورد في صحيح مسلم .
* * *
هامش
( 1 ) هو نائب دمشق الأمير الكبير سيف الدّين أرغون شاه ، تولى دمشق 748 - 750 ه ، وعمّر بها مسجده المعروف قبالة القلعة ، وهو يعرف اليوم بجامع السّنجقدار . راجع البداية والنهاية لابن كثير ، وتاريخ ابن قاضي شهبة ، وإعلام الورى لابن طولون ، 20 .